حقيبة سفري

حقيبة سفري

في أثناء تأملي فى السماء غفوت ، لم تكن غفوة بالمعنى الكامل ، لقد كنت بين الحلم واليقظة ، أو ما يسمى "أحلام اليقظة" ، ورأيت أنني أجهز حقيبتي للصعود للسماء، وبحثت عن حقيبتي لأرى ما الذى أعددته لهذه الرحلة فإذا بى أتلقى المفاجأة.

 فى حقيبة سفري ..أفلام ومسلسلات وبعض المحادثات اليومية ؛ والنقاشات والجدالات غير الضرورية ؛ وباقة من ذكريات ولت مع الأهل والمعارف والأصدقاء ؛ ونشاطات صيفية ترفيهية تخلو من خدمة المجتمع والناس ؛

ولم يبقى لى شئ ... لا شئ اللهم إلا عشر دقائق وأرحل - أرحل للأبد -.

 

باقي لى 10 دقائق على الرحيل ..

 

ماذا سأقول لربي .. هذا عملي !

ماذا سأريه .. ولا يوجد فى حقيبتي إلا الترفيه وتمضية الوقت بلا عمل وكل وما ليس منه طائل!

 

وظللت أفتش فى حقيبتي بشكل هستيرى فلقد حان وقتي الآن .. وأخاطب نفسي فى حنق وأقول: ما هذا يا نفسي! ما هذا الشح .. أهذه فقط صدقاتي ! .. درهم ، درهمين ، نظرة واحدة حانية لمواساة إنسان حزين ، عطف على خمس مساكين ، فقط خمس مساكين طوال فترة حياتي ، كيف سأذهب لربي ؟! كيف أطلعه على حقيبتي .. كيف؟!

 

باقي لى 8 دقائق على الرحيل ..

 

ماذا سأقول للرحمان .. أننى لم أرحم !

ماذا سأقول للكريم .. أننى لم أكرم أحدا!

ويلي من حقيبتي ، أنها فارغة من الصدقات ، فارغة من الرحمة.

 

وأظل أفتش فى حقيبتي بشكل هستيرى فلقد حان وقتي الآن .. وأخاطب نفسي فى ذل وأقول: ماذا فعلت بكبري .. ولماذا لم أسامح أخوتي فى الله؟! .. لقد كان أمامي 20 فرصة للنجاة من غضب ربي ولم أنتهزها، فخاصمت جارتي فلانه لأنها نست أن تدعونى فى حفل تخرج ولدها، وكفرت بحق الجار وحسن الجوار هذا الذى كان من الممكن أن يشفع لى عند ربي فيجيرنى من عذابه يوم القيامة، وقطعت الصلة بيني وبين أعز صديقاتي لأنها قالت لى كلمات لم تعجبني، وكان الله بحبها سيظلني تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، كذلك لم أنسى لأخي عدم مساعدته لي عندما كنت فى حاجة فبادلته الشحناء والبغض ، وكانت صلة الرحم ستجعلني أسير على الصراط فوق النيران فلا أقع.

ويلي .. لماذا أمتلأ قلبى كبراً ولم أعد أتسامح مع أخوتي فى الله وجيراني وصلة أرحامي ، فلقد كانوا بالتأكيد سيكونون حلفاء لي فى هذا اليوم العصيب.

 

باقى لى الآن 6 دقائق على الرحيل ..

 

ماذا سأقول لربى المتكبر .. أننى نازعتك الكبر !

ماذا سأقول للرحيم .. أننى قطعت الرحم !

ماذا سأقول للرسول الهادى .. أننى كفرت بالجار .. كفرت بوصيتك !

 

وأظل أفتش فى حقيبتى بشكل هستيرى فلقد حان وقتى الآن .. وأخاطب نفسى فى ندم وأقول: لن ينفعنى ندمى اليوم على ما قصرت فى حق الله ، لم أصلى ، تركت الصلاة ، لن ينظر الله أبداً فى حقيبتى فأنا لا أستحق أن ينظر فى أمرى ، كانت أمى تدعونى لأصلى ، وكنت أتهرب منها لأكلم صديقتى فلانه وأبنة خالتى علانه ، ولأرى الفيلم الأمريكى الخطير والمسلسل الدرامى الجذاب ، رحت أثرثر وأضيع وقتى ساعات ولم أدخر لصلاتى لحظات .. هذه الصلاة التى كانت ستعيننى كثيراً على سفرى اليوم.

 

باقى لى الآن 4 دقائق على الرحيل ..

 

ماذا سأقول للملك .. لم أسجد لك ركعة !

ماذا سأقول للواحد .. أننى لم أكن أوحدك فى كل وقت !

ماذا سأقول للعليم .. أننى لم أعلم أن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً !

 

وأظل أفتش فى حقيبتى بشكل هستيرى فلقد حان وقتى الآن .. وأخاطب نفسى فى حسرة وأقول: جائنى فلاناً لأساعده فى مصلحته فلم ألبى طلبه وتهربت ، بل وعطلت مصالح الكثيرين فى عملى بالكسل فلم أنهى الإجراءات اللازمة لإتمام مصالح الناس وجعلتهم ينتظروا شهور، ظلمتهم - ظلمتهم بكسلى - وعدم تحملى المسئولية.

كذلك تركت مساعدة الكبير وكنت أرى العجائز يحملون بقالتهم متثاقلين فلم أمد لهم يد المساعدة ، كذلك تركت أطفالى بدون أن أساعدهم فى حل واجباتهم الدراسية فأصابهم الإحباط والشعور بفقد الأهمية وذلك لموعدى مع خبيرة التجميل ، وما فائدة التجميل إذ لم يكن هنالك من جمال داخلي؟!.

 

باقى لى الآن 3 دقائق على الرحيل ..

 

ماذا سأقول للعادل .. أننى ظلمت !

ماذا سأقول للمغيث .. أننى تركت الملهوف يغرق !

ماذا سأقول لصاحب الجمال .. أننى فقدت فى داخلى الجمال !

 

وأظل أفتش فى حقيبتى بشكل هستيرى فلقد حان وقتى الآن ..

 

لكنى فى وقفة مفاجأة تذكرت - نعم لقد تذكرت - ..

 

وخاطبت نفسى فى فرحة وقلت: هذه ليست حقيبتى ، هذه حقيبة أخرى ، فلقد تداركت ما فعلت ، لقد كانت لى وقفة مع نفسى ساعة تبت فيها ورجعت إلى الله تعالى وفتحت صفحة جديدة معه ، وأستغفرته طويلاً وسألته العفو والصفح ولم أرجع لما فعلت .. فأين حقيبتى الأخرى ، هل صفح عنى ربى؟ ، عن ظلمى لنفسى! ، فإذ بى أجد شيئاً محمولاً من ملكين ينزلان من السماء .. ما هذا أنها حقيبتى الجديدة ، وتحمل هذه الحقيبة "عفو ربى" والذى أنسانى به كل ما كان فى حقيبتى القديمة .. ورحت أهلل وأكبر .. الله أكبر سأنجو .. الله أكبر سأنجو .. الله أكبر كبيرا.

 

ورحت أفتش فى الحقيبة الجديدة .. هذه دمعة صادقة نزلت من عينى ندماً على ما فات هذه الدمعة كتب لى بها عشر حسنات ، وهذه دمعات على من ظلمت من الناس كتب لى بها 100 حسنة ، وهذه دموع وحشرجة على تقصيرى فى الصلاة كتب لى بها ألف حسنة ، وهذه إبتسامة رسمت على وجهى تفائلاً بعطاء ورحمة الله ، وراحة فى فؤادى لظن الخير بالله عندما دعوته - أعطانى الله بها كل ما سئلت – نعم – كل ما سئلت - .

 

باقى لى الآن دقيقتان على الرحيل .. لا أطيق الإنتظار دقيقتان !

خذنى يا رب .. لى رب مثلك عظيم ولا زلت أعيش على الأرض !

سأحمل حقيبة سفرى وأعد الثوانى ، فلى رباً ودوداً فى السماء .. ولقد إشتقت للقائه!

 

وأنادى بأعلى صوتى يا أهل الأرض .. يا أهل الأرض .. لكم مكاناً فى السماء أرحب من كل الأرض ..

لكم الخلود فى النعم فلا تخدعنكم مظاهر اللهو واللعب ، فهذا متاع الغرور ..

هلمى يا ثوانى فقد ذهبت الأمانى .. هلمى يا حياتى فأنتِ الحيوان ..

 

وجاء الملك ليأخذنى .. فأستيقظت من النوم .. أستيقظت من حلم اليقظة وعلمت طريقى .

ليتنا كلنا نستيقظ من النوم .. ونسارع فى الخيرات .. ونحضر حقيبة سفرنا الطويل.

 

يقول تعالى : (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون). صدق الله العظيم (سورة المؤمنون، الآيات: 57- 61).


بقلم: أماني محمد

www.dramany.net

التعريف بالكاتبة:

أمانى محمد باحثة وكاتبة فى علوم ما وراء الطبيعة و التنمية البشرية، و خبيرة واستشارية لدى كبرى مواقع التنمية البشرية الأجنبية على الإنترنت http://www.selfgrowth.com . ممارسة للعديد من علوم الطاقة ومعالجة بالطاقة، ومؤسسة ومديرة أول شبكة إخبارية إيجابية على الإنترنت http://www.arabnet5.com، ومديرة موقع الأخبار الشامل 'طريق الأخبار'http://www.akhbarway.com، وموقـع المقـالات المتـميز http://www.articleslist.net، والدليل الطبى http://www.edoctoronline.com  للتواصل معها يمكن زيارة موقعها http://www.dramany.net .


جميع الحقوق محفوظة للكاتبة أمانى محمد ، يمكن نسخ هذا المقال ونشره فى مواقع أخرى - فقط - إذا تم إلحاق مربع التعريف بالكاتبة أسفل المقال مع إدراج هذا التحذير ، وغير ذلك يعرض صاحبه للمسألة القانونية ، والتعويض عن الأضرار
الكاتب: أماني محمد - dramany.net
عدد المشاهدات: 1320
تاريخ المقال: Wednesday, March 11, 2015

التعليقات على حقيبة سفري  "7 تعليق/تعليقات"

سارة احمد26/4/2014

كلام غاية بالتأثير الحسي تحيا الانامل الراقية. .......... رد: شكراً لكلماتك الرقيقة. تحياتي

عمر3/9/2013

يعطيكي الف عافية على المقالات الرائعة. .... رد: شكراً أخي عمر لكلماتك الطيبة أعزك الله تعالى.

ثريا النقاش3/9/2012

اشكرك كثيرا لقد أحييتي روحي وأنعشتيها واعطيتيني جانب آخر أرى منه الإيمان. هذا أجمل ماقرأت في حياتي. بارك الله أنفاسك وخطواتك وكل توجهاتك في الدنيا والآخرة. ........... رد: شكراً ثريا لكلماتك الطيبة فلقد كان لها نفس وقع مقالاتي عليكِ .... فأنتِ أيضاً بكلماتك تلك حمستني للمضى قدماً. تمنياتي لكِ بأن يوفقك الله تعالى لكل ما يحبه ويرضاه. تحياتي

خالد31/7/2012

كل الشكر لهذه الروح الجميله.

عبد الله بوشتاف12/2/2010

مني لكي كل الشكر والتقدير يا دكثوره اماني واتشرف بقراءة مقالتكي الجميلة وان شاء الله في ميزان حسناتكي وربي يفتح عليكي واني فخور بكتابتكي الجميله الرائعه وشكرا موفقك بإستمرار.

البوكري12/2/2010

تحية طيبة . احييك جدا شي غير عادي اهتز له وجداني.

جنة17/12/2009

شكراً يا امى هذا احلى مقال قرئته فى حياتى.

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
27835

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

دكتورة أماني خدمة RSS دكتورة أماني محمد بلوجر دكتورة أماني محمد تويتر دكتورة أماني محمد يوتيوب

رسائل إخبارية مجانية

الموقع غير مسؤول عن الأخبار والتعليقات والمواضيع والآراء التي ترد من مصادر أخرى. كما أن الموقع لا يقدم مشورة علاجية أو صحية. وجميع المعلومات الواردة في الموقع هي لأغراض تثقيفية بحتة