خريطة الموقععن الموقع

مقالات فى فنون إدارة الحياةمقالات الوعى › انصحني . ولكن برفق! الجزء الأول

انصحني . ولكن برفق! الجزء الأول

انصحني . ولكن برفق! الجزء الأول

 انصحني . ولكن برفق! الجزء الأول بقلم: أماني سعد

لا وجود لإنسانٍ كامل! لا أحد مطلقًا يتسم بالكمال على وجه الأرض . فمهما تحلَّى الإنسان بالصلاح والأخلاق الطيبة . فهو غير معصوم من الخطأ، بل إن من طبعه الخطأ . فمَن منا يخلو من القليل أو الكثير من الهفوات والكبوات؟! لكن ما يعيننا على تدارك الأخطاء وتصحيحها؛ والتوبة عنها أيضًا . هو "النصيحة"، ولكن ليست أية نصيحة، إنها "النصيحة المخلصة" التى تتزيَّن بالآداب التي ضبطها بها الإسلام.

نعم . يمكنك أن تنصحني وتريد لي الخير كما تريده لنفسك، غيرأن عندي لك رجاء تذكّره دائمًا عندما تأمرني بمعروفٍ أو تنهاني عن منكر، فلا تُنَفّرني من نصيحتك بالغِلظة، ولا توبخني بكلماتك؛ ولا تنتقص من شأني، والتزم الحق والصدق في نصيحتك . فلا تغشني أو تخدعني؛ وقلها لي بيني وبينك . لا في محفلٍ من الناس. فإذا فعلت ذلك فأنا لن أتجاهل كلامك، ولن أجادلك ولن أمانع في أن تنصحني . ولكن عليك بالرفق.

 

قال صلى الله عليه وسلم

"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"


فالنصيحة هامة في حياتنا جميعًا . فهى مساعدٌ أساسيّ في ضبط سلوك البشر وتوجيهه، وبها يتحسن الأداء في العمل والتعلم كذلك، وتنتشر الأخلاقيات الحسنة، وتتحسن المعاملات بين الناس . فينعم المجتمع بالأمن والأمان. قال الجرجاني في تعريفه للنصح والنصيحة: (النصح: إخلاصُ العمل عن شوائب الفساد. والنَّصِيحَة: هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد).


فما هي آدابُ الناصح؟

دعنا نتعرف في السطور القادمة على آداب الناصح حتى نتدارك بعض الأخطاء والهفوات التي يقع فيها الناصحين سهوا وغفلة، لنستطيع تجنبها؛ والحصول على ثمار هذه النصائح للنهوض بالبلاد والعباد.


·لابد أن تكون النصيحة عن علم

فلا تأخذ الخبرات والمعارف إلا من ذوي التخصص، مثلا: لاتأخذ النصائح الإدارية إلا من المديرين ذوي الخبرة والمؤهلين، ولا تأخذ النصائح في الدين إلا من المؤهلين في العلم الشرعي والثقات، ولا تأخذ النصائح المالية إلا من الخبراء الاقتصاديين. فالنصيحة يجب أن تكون في مجال التخصص وعن دراية وعلم وخبرة. حتى لا يُضَر أحدٌ من النصح.

 

· أن تكون النصيحة مخلصة وأمينة

بأن يكون الناصح قاصدًا وجه الله تعالى بنصيحته ونفع المنصوح، وأن تكون نصيحته صادقة وأمينة لا لمصلحة شخصية أو لغرض ونية لا يعلمها المنصوح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ" أخرجه أحمد والترمذي، وحسنه.

 

· التأكد قبل النُّصح من وقوع الخطأ من المنصوح

فقد يكون ما وصل إلى علمنا غير صحيح؛ أو يكون ما فهمناه من ظاهر التصرف ليس هو حقيقة الأمر . كما في قصة الخضر وسيدنا موسى - عليه السلام -. ودعنا نوضح لك بمثال بسيط آخر فمثلاً: إذا أخبرك جارك أن جاركم فلان يداوم على رمى القمامة على سلم العمارة؛ ويجب أن تحدثاه بألا يفعل ذلك. فقبل أن تتهماه بهذا الفعل يجب بداية أن تسألاه: إذا كان هو من يفعل ذلك أم أحدٌ آخر . حتى يتم التأكد من وقوع الخطأ؛ وتكون النصيحة موجهةً للشخص الصحيح.

 

· ألا يكون الناصح مخالفًا لنصيحته

كأن تنصح أحدًا بترك التدخين . وأنت مدخن، وتنصح أحد بتخفيض وزنه . وأنت تعاني من السمنة، وتنصح أحد بتنظيم حياته . وحياتك أنت في فوضى عارمة. فمن المصداقية أن تبدأ بنفسك أولاً وتصحح الأوضاع؛ ليقتنع بكلامك من تنصحه.

ففي أحد الأيام جاءت سيدة إلى "المهاتما غاندي" تصطحب معها ابنها الصغير السمين؛ وطلبت منه أن يساعدها ويأمر ابنها بالكف عن تناول السكر، فرد غاندي قائلاً "عودي بعد 3 أسابيع". وبعد مرور الأسابيع الثلاثة عادت السيدة الى غاندي ومعها ابنها. نظر المهاتما الى الطفل وقال له "توقف عن أكل السكر"، ثم هم بالانصراف. استوقفته السيدة وسألته، "لكن لماذا لم تقل ذلك قبل 3 أسابيع؟" . فرد غاندي قائلاً: "قبل 3 أسابيع كنت آكل السكر".

 

· المبادرة بتقديم النصح لمن يحتاجه

فلا يكفي أن نعطي النصيحة عندما تُطلب منّا، بل لابد أن نبادر بالنصيحة إذا رأينا في ذلك نفعًا للمسلمين؛ أو ردًا لضررٍ قد يلحق بنا أو بهم أو بكلينا . إذ لم يتم نصحهم. فكلنا في سفينة واحدة وأي خرق في منهج الله سيؤثر على الجميع.

فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - عن النبي قال:(مثَلُ القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا).

 

يقول تعالى في سورة القصص آية 20:

(وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)

صدق الله العظيم

· إسداء النُّصح في السر دون العلن

فتقديم النصيحة سرًا وعدم الجهر بها في العلن يكون أقرب لأنْ لا يتحرج المنصوح من الاستماع للنصيحة أو يعتبرها تعديًا . فلا يقبلها. قال الشافعي: (من وعظ أخاه سرًّا، فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية، فقد فضحه وشانه).

 

· الرفق والاقتصاد في النَّصِيحَة

أن تكون النَّصِيحَة بالرفق واللين، وبأسلوبٍ راقٍ محترم، بعيد عن الهجوم الشخصي والأساليب الانتقادية والانتقاصية. مع الاقتصاد في النصح فلا يطول، ولا يكون فيه تكلف. كما يجب انتقاء الألفاظ الحسنة والمحببة للنفس عند النصح؛ فهذا من شأنه جعل المنصوح يتقبل النصيحة بصدرٍ رَحب.

فيُحكى أنه في زمن أمير المؤمنين "هارون الرشيد" وبينما هو يطوف يومًا بالبيت إذ عَرض له رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين! إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة. فقال: لا! ولا نعمت عين، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول له قولاً ليّنًا. وكان يقصد نبي الله موسى وهارون – عليهما السلام - عندما ذهبا لفرعون مصر؛ وقد أمرهما الله تعالى - بالرغم من كفره وإدعائه الربوبية - أن يقولا له قولاً ليّنًا.

قال تعالى في سورة طه آية 43:

اذْهَبَا إلى فِرْعوْن إنَّه طغى، فقولا له قولاً ليّنًا لعلَّه يذكَّرُ أو يَخْشَى {

صدق الله العظيم

 

· مراعاة منزلة ومكانة المنصوح

فلابد من احترام الكبير في السن أو المنزلة والمكانة؛ ومراعاة ذلك عند النصح. فعندما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم لكسرى ملك الفرس يدعوه للإسلام بدأ رسالته فقال: (من محمد رسول الله الى كسرى عظيم فارس، سلامٌ الله على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله). وعندما خاطب هرقل ملك الروم ليدعوه للدين الحق بدأ رسالته بالتالي: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلِم تسلَم).

 

· الستر على المنصوح وعدم التعالى عليه أو احتقاره

لابد من النصح بالمعروف؛ والستر على المسلم . إذا اقتصر الخطأ على فاعله دون إضرار لمن حوله من الناس؛ فلا يصح أن نفضح الآخرين أو نتعالى عليهم ونحتقرهم لمجرد أنهم اخطأوا . مهما بلغ حجم هذا الخطأ أو شناعته. بل علينا أن نستر على أخواننا؛ ونحفظ غيبتهم؛ ولا نحدث الناس بزلاتهم؛ حتى نعطيهم فرصة للتوبة وتصحيح الأخطاء؛ وحتى لا ننشر الفاحشة في مجتمعنا الإسلامي.

 

قال صلى الله عليه وسلم:

(من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة).

 

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئًا يُنكره ويكرهُه من أحد، عرَّض وألمح، ولم يُصَرِّح باسم فاعله فعنعائشةرضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه ما يكرهه لم يقل: ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقولما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا،يُكنّى عنه ولا يُسمّى فاعله) رواه أبو داود وصححه الألباني.

 

· صبر الناصح على ما قد يلحقه من أذى

نحن مأمورين في ديننا الإسلامي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌّ بحسب استطاعته، وفي أثناء قيامنا بذلك لابد من الصبر؛ إذ قد لا تتقبل نصيحتنا بل ويتعمد الآخرين إيذاءنا، لكن لا يجب أن لا يُثنينا ذلك عن تقديم النصح وإلا كثُر الفساد في المجتمع وهلَكْنا جميعًا.

 

يقول تعالى في سورة لقمان آية 17:

(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)

صدق الله العظيم

يتحجج الكثيرون من الناس بأنه لا فائدة من النصيحة . إذ لا يستمع إليها أحد، فماذا لو جربنا جميعًا التحلي بهذه الآداب الإسلامية عند النصيحة، ونصحنا إخواننا لوجهه تعالى ولتحسين مجتمعاتنا . فإن لم تؤتِ نصيحتُنا ثمارَها . فيكفينا أننا أطعنا الله سبحانه وتعالى وأمرْنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، والله لا يُضيع أجرَ المحسنين.

 

واسمحوا لي أن أختم مقالي بهذه القصة . فعندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة قام بتعيين عمر بن الخطاب قاضيًا على المدينة، فمكث عمر سنة لم يفتح جلسة، ولم يختصم إليه اثنان، فطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء، فقال له أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟! فقال: لا يا خليفة رسول الله، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين، عرف كلٌّ منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يُقصِّر في أدائه . أحَبَّ كلٌّ منهم لأخيه ما يحبه لنفسه . إذا غاب أحدهم تفقَّدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه . دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ ففيم يختصمون؟!.


تابع معنا (آداب المنصوح) في الجزء الثاني من مقال: (انصحني . ولكن برفق) اضغط هنا


أماني سعد - كاتبة فى فنون إدارة الحياة

AmanySaad.com

جميع الحقوق محفوظة للكاتبة أمانى سعد، لا يمكن نسخ أو نشر هذا المقال فى مواقع أخرى إلا بإذن كتابي من الكاتبة، وغير ذلك يعرض صاحبه للمسائلة القانونية، والتعويض عن الأضرار.

مراجعة لغوية أستاذ: محمد السخاوي

الكاتب: أماني سعد AmanySaad.com

عدد المشاهدات: 68

التعليقات على انصحني . ولكن برفق! الجزء الأول0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
28387

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري