حتى لا ننهزم

حتى لا ننهزم

حتى لا ننهزم بقلم: أماني سعد

    قد لا نعترف بالهزيمة إلا عندما تكون واضحة كما الشمس .. حين ننهزم في الخارج - أمام أنفسنا و الآخرين والعالم - لكن ما لا نراه حقًّا أن الهزيمة الحقيقية بدأت مسبقًا من الداخل .. حيث تتشبث بأنفسنا التنشئة الخاطئة، والبرمجة السلبية، وأنواعٌ كثيرة من المخاوف والشكوك. وحتى لا ننهزم مجددًا .. ما رأيك اليوم أن نأخذك فى جولة شيّقة لنتعرف معًا على معنى الهزائم وندرك أسباب وجودها؛ حتى نستطيع اتخاذ إجراءات فورية وفعَّالة للقضاء عليها بوعى كامل وحكمة.

فما معنى الهزيمة:

الهزيمة تعني كسر الشوكة أو القوة النفسية الداخلية فيُقال: هَزم فلان أي قَهره وغلبه وانتصر عليه. ونحن حين ننهزم .. ينتصر علينا ضعفنا الإنساني - وهو خصمنا الأكبر - فلا نعود قادرين على الصمود في وجه تحديات الحياة اليومية والحتمية. فإذا تكررت الهزائم والإنكسارات وجلسنا عاجزين دون فعل .. تحوّلت هزائمنا لبرمجةٍ داخلية للإخفاق المستمر.

وما هي أسباب الهزائم السابقة:

خلفية دينية غير صحيحة

    قد يعتنق البعض منا خلفية دينية غير صحيحة ومشوّشة .. مما يُضيع ثوابت الدين، هذه الثوابت التي كان من الممكن أن نرتكز عليها لإصلاح وتحسين كافة مناحى حياتنا. وبالرجوع مجددًا للتمسك بالكتاب والسنة المطهرة لن نضل أبدًا ولن ننهزم مطلقًا. وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/59 .

نقصُ الخبرة والإمكانيات

    إن نقص الخبرة والإمكانيات فى أى عمل نقوم به قد يؤديان لنتائج غير ناجحة، فقد لا ينجح مشروعك الخاص؛ لأنك لم تكن تملك الخبرة الكافية أو التمويل والإمكانات المطلوبه لإنجاحه. لكن بعضنا قد يقول: كان عندي خبرة وتمويل كافيان، لكن مشروعي فشل بالرغم من ذلك لظروف خارجة عن إرادتي. فأقول له: فهل قمتَ بإدارة هذه الخبرة والأموال والإمكانات بعلمٍ وحكمة، أو استعنت بمن يستطيع ذلك؟. وهل ثابرتَ وبذلتَ جهدًا أكبر بذكاء أكثر واستراتيجيات أكثر فعالية للتغلب على هذه الظروف الخارجة عن إرادتك؟.

سماتٌ شخصية إنهزامية

    والبعض منا قد يحمل سماتٍ شخصية إنهزامية وغاضبة نتيجة لماضٍ مرهق وصعب، ومحيطٍ عائليّ أو اجتماعيّ أو اقتصاديّ محبط، فلم ينجح في التقدم فى حياته كما يريد ويتمنى .. لرؤيته كلَّ شيء محبطًا وسوداويًّا. وأنا أعلم دون شك أن هذه الرؤية المعتمة عندما تندمج مع الظروف الصعبة قادرةٌ على أن تحولَ بيننا وبين التقدم والإنجاز فى حياتنا - فقط إن سمحنا لها نحن بذلك – فهذا الاندماج من السهل أن يكسر أصحاب النفوس الهشة والهمم الواهنة، لكنه ليس بقادرٍ على كسر الهمم العالية وأصحاب النفوس القوية الصلبة .. فهل تعتقد أنك منهم؟!

قِيَم تنافسية

    وقسمٌ منا تبنّى قيمًا تنافسية نتيجة للتربية والتنشئة الخاطئة؛ مما جعله لا يكتفي بما في يديه، بل يريد كل ما في أيدي الآخرين أيضًا. وبذلك أصبح لا يرضى بشيءٍ مهما أُعطي من النعم الكثير. فازدرى أنعُمَ الله عليه، فبدأت معاناته مع ما أدعوه "الهزائم الوهمية" والتى تكون عبر اعتقادٍ زائف بالفشل لدى الشخص نتيجة لقِيَمه التنافسيه النهمة، التى لا تعرف القناعة أو الاكتفاء.

قطع صلات الأرحام

    وجزءٌ آخر منا ربما كان وحيدًا محبطًا يعاني الوحدة وفقد الدعم لتركه صلةَ أرحامه .. فلا عجب إذ لم يجد المساندة العائلية مادية أو معنوية، ليتغلب على العثرات والتحديات التي يواجهها يوميًّا. وقد تقول لي: أرحامي متعبون لا داعمون - هذا رأيك - لكن الله تعالى قال وقوله الحق سبحانه فى سورة محمد آية 22: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) فسمى قطع الأرحام فسادًا.

وفي حديث أنسأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(من أحب أن يُبسَط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه). متفق عليه.

حب الدنيا

    وجزءٌ منا ليس بالقليل أحب الحياة الدنيا كثيرًا فوق قدرها وانغمس فى الشهوات، ونسي تمامًا العمل لحياته الآخرة. لذا كلما أعطته الدنيا فرح وسعَد، وكلما انزوتْ عنه بملذاتها شعر بالذلة والانهزام. والانهزام الحقيقي الذي كان لابد أن يدركه .. كان فى سيطرة شهواته عليه؛ وليس فى انزواء الدنيا عنه. فقد لا تعطيك الدنيا الكثير لكن رغم ذلك رضاك بما أعطيت .. سيورثك الشعور بالسعادة والاكتفاء وطمأنينة النفس.

ضياع الفرص

    وزمرةٌ منا قد تكون ضيعتْ الكثير من الفرص المجزية؛ نتيجة لاستمرارها مرارًا وتكرارًا فى اتخاذ القرارت الخاطئة، وربما بعد ذلك لم تأتهم فرصٌ أخرى مثلها؛ ولم يحاولوا أيضًا صنع فرصٍ جديدة للنهوض بحياتهم. وضياع الفرص يُدخل الحسرة على قلوبنا ويُسخطُنا على أقدارنا. وبدلاً من الاستسلام لهذا الشعور بالحسرة والهزيمة لابد لنا من البحث عن فرصٍ جديدة تزيد من نمونا وتطورنا، واتخاذ قرارات صائبة باستمرار لتدفعنا كل يوم للأمام.

الشعور بالظلم وافتقاد العدل

    وهناك فئةٌ ليست بالقليلة سلبَها الشعور بالظلم وافتقاد العدل إيمانها، فعجزتْ عن رؤية حكمة الله فى إمهال الظالم واختبار المظلوم. وبدلاً من أن تختار معاناة مشاعر الحزن والاستياء والغضب كان الأجدر بها الرضا بأقدار الله والتحلى بالتقوى والصبر حتى يأتي حكم الله، ودعنا نُذكّر هذه الفئة بأن الله عز وجل أقسم بعزته وجلاله أن ينصر المظلوم ولو بعد حين.

عدم الشعور بالحب والاهتمام

    وقسمٌ من الناس تعيس ومنهزم عاطفيًّا .. ذلك لأنه مفتقد لمشاعر الحب والاهتمام، ربما لعدم وجودها حوله أو لغياب أو رحيل من كان يمده بهذه المشاعر. فالفراغ العاطفي بالتأكيد يمكنه أن يهزمنا فقط إن ابتعدنا عن القرب من الله تعالى وفاتنا الشعور بحبه ومعيته لنا. فمن أحبه الله أحبه كل الناس فغرف من معين الحب الذي لا ينضب أبدًا. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أحب اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببْه فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض). متفق عليه.

الاستسلام للنفس والهوى

    ومعظمنا يعاني من كثرة الذنوب والمعاصي التي تغطي على القلب .. فيُطبع على قلوبنا فلا نعود قادرين على أن نرى الحق حقًّا ولا الباطلَ باطلاً لعصياننا الله، وبالتالي لا يكون لدينا مرجعية سليمة نستند عليها لمواجهة تحديات الحياة المختلفة؛ مما يجعل تأثيرها السلبي علينا أكبر وأضخم بمراحل من تأثيرها الإيجابي. فقد تركنا سفينتنا تسيرها أمواج الحياة دون التقيد بالتوجيه والإرشاد الإلهي؛ فلعبتْ بنا الأمواج وتقاذفتنا حتى أرهقتنا وهزمتنا بالحيرة والتيه. عن أبي هريرة عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). والحل بكل بساطة أن نتوب توبةً نصوحًا ونستغفر الله كل يوم عن ذنوبنا .. حتى يجعل لنا الله فرقانًا نميز به الصواب من الخطأ، والحق من الباطل والصدق من الخداع، وبالعمل الصالح يزيد إيماننا ونرشد لكل ما فيه صالحنا وحياة قلوبنا.

الفقر وقلة الموارد

    وفرقة من الخلق هزمهم الفقر وقلة الموارد، ولم يدركوا أن الفقر لا يمكنه هزيمة النفوس القنوعة، وأصحاب المبادئ والقيم العليا التي تليق بالمؤمنين. نعم الفقر لا يمكنه أبداً أن يهزمك .. وحده شعورك بعدم الاكتفاء وتدني مبادئك وقيمك هو الذي بإمكانه هزيمتك. يقول تعالى فى سورة آل عمران آية 139 (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وفي حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنّعه الله بما آتاه) رواه مسلم.

استعجال الفرج

    ولفيفٌ منا يستعجل الفرج ليس بالإلحاح في الدعاء لله وتوقع الفرج القريب، والذي هو من حسن الظن بالله، إنما يستعجله بترك الدعاء أو ترك الأخذ بالأسباب بما في ذلك من سخط على حكم الله. فهذا ما يُغرق نفوسنا فى بحر الهزيمة ويسلمنا للهم والغم والإحباط؛ ويخرجنا كذلك من معية الله ورحمته. 

عن أبى رزين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غَيْرِهِ ينظر إليكم آزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) آزلين قنطين يعني: "فى شدة وضيق ويأس" ... وغَيْرِهِ يعني:"تغير الحال للخير من فضل ورحمة".

وفى رواية أخرى: قَالَ : أَبُو رَزِينٍ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَضْحَكُ الرَّبُّ الْعَظِيمُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ : لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا "، قَالَ حَسَنٌ فِي حَدِيثِهِ

فقد سلاح الصبر

    يقول تعالى فى محكم كتابه (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ... فهل أنت من الصابرين؟! ممن يثبتون عند المحن ولا يجزعون؛ ولا يشتكون الله لخلقه بل يشتكون لله مما يؤرقهم ويتعبهم، ولا يعصونه كذلك عبر جوارحهم فيما أمرهم أو نهاهم، وهل أنت مصدق بيقين بأن أمر المؤمن كله خير .. ما دام قد صبر عند الضراء وشكر عند السراء؟!. إن سلاح المؤمن دائمًا ما كان الصبر فى اختبارات الحياة، وفقد هذا السلاح يسلمنا ليس فقط للهزيمة في الدنيا ولكن لفوات المثوبة والأجر فى الآخرة. ويكفيك لتصبر وتحتفظ بسلاحك فى مواجهة البلاء قول الله تعالى فى سورة الزمر آية 10: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

    وبعد أن وضعنا أيدينا على غالب أسباب ما عانيناه من هزائم .. يمكننا الآن مراجعة هذه الأسباب ومعرفة أين يكمن الخلل وإصلاحه بعلم وحكمة. ومع تواجد شخصٍ مفكر جيد مثلك وواعٍ .. يدرك ويعلم الكثير عن عالمه، نستطيع اللحظة بإذن الله أن نولد الحلول المبتكرة والفعالة التى تساعدنا على النجاة من مستنقع الهزيمة، واستعادة الثقة مجددًا في أنفسنا وعالمنا، وثبات قلوبنا على اليقين التام في حتمية قدوم الفرج من عند الله مهما اشتدت بنا المحن وطال الزمن .. حتى لا تنهزم .. حتى لا ننهزم أبداً.

أعلِن الحرب على هزائمك اليوم .. وكن المنتصر

»إن الرد الوحيد على الهزيمة هو الانتصار. «

المقولة الشهيرة "لونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا السابق خلال الحرب العالمية الثانية (1965-1874)

كلمات مفتاحيةنحن لا نهزمنحن لا نهزم كلماتنحن لا نهزم ننتصر او نموتلماذا ننهزملن ننهزمان ننهزمما ننهزملا تنهزملا تنهزميلا تنهزم من الداخللا تنهزم يوم الصعابلا تنهزم نفسياكن متفائل لا تنهزمكن قويا لا تنهزملا للهزيمةلا تستسلم للهزيمةلا مجال للهزيمةالهزيمة النفسيةالهزيمةالهزيمة والانتصارلن نهزملا نهزمنهزم بالاشياء التي نحبهامهزوممهزوم نفسيامهزوم وضعيفمهزومين ومدحورين.

أماني سعد - كاتبة فى فنون إدارة الحياة

www.dramany.net

جميع الحقوق محفوظة للكاتبة أمانى سعد، لا يمكن نسخ أو نشر هذا المقال فى مواقع أخرى إلا بإذن كتابي من الكاتبة، وغير ذلك يعرض صاحبه للمسائلة القانونية، والتعويض عن الأضرار.

مراجعة لغوية أستاذ: محمد السخاوي

الكاتب: أماني سعد - Dramany.net
عدد المشاهدات: 117
أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
41462

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري