خريطة الموقععن الموقع

أبغض الحلال

 المشكلات الاجتماعية غول تجتاح البيوت المطمئنة، فتحيل أمنها خوفاً، وسكينتها وجلاً، ولا تزال تلك المعضلات بالأسرة الآمنة حتى تجعل من تماسكها شتاتاً، ووحدتها فرقة، وحينها تأكل فيها ذئاب الحقد والضغينة، ولا تسلْ عن مجتمع دبت فيه تلك الآفات، لا ريب أنه مجتمع ثمل بنشوة التقاطع والتدابر، وباستدامة معاقرتها تدخل الأمة نفقاً مظلماً هجيراه غضب الجبار سبحانه وتعالى، وعندها لا يبالي بها ربُّها في أيِّ أودية الهلاك سلك بها.

كثيرة  تلك المشكلات التي تعصف بالأسرة المسلمة، وتأخذ بأطرافها، ولو ذهبت تتتبعها أو تحصيها لكنت في شاق من الأمر وعسيره، وتختط الأمة الجديد من تلك المشكلات بتعقد مقومات العيش فيها، وما أُصيبت الأسرة بمصاب شراً من افتراق آسييها الأب والأم؛ فهو وربي حالق السعادة من أصولها، وموبق لكل سعي صالح لتوطين السعادة في ربوعها؛ وحين ذاك تكون البيوت حمى مباحاً لكل والغ في طهرها أو طامع في قهرها؛ لذا لا تعجبوا عندما ترون من إبليس اللعين احتفالاً واهتماماً بمن فرق جمع الأسرة من جنده؛ فهو يعليه ويدنيه، ويقول له: أنت أنت؟ لأن من فعل ذلك قد أنفذ في الأسرة سهام الشرور بعد أن كانت في حصانة منها ومنعة؛ وحق له ذلك، وكم كان الشيطان ـ وهو المخذول ـ موفقاً هنا، ولو نظرت في المجتمع من حولك؛ لرأيت أن الضيعة محدقة بمن افترق والداه وانشغلا عنه بحياة أخرى، وهي أبعد ممن ظِلُّ الوالدين مجتمعين يرفرف عليه.

الطلاق حل لرباط الزوجية الغليظ، وتقويض لقداسة فحواه، ولو نظرتَ في بواعثه لوجدتها أوهى من بيت العنكبوت، ولو تأملت لوجدت أن هذا الميثاق الزوجيَّ الغليظ ينهى بكلمة كما بدأ بكلمة، وكم كانت الكلمة ذات أثر في حياة الإنسان؛ فهي ترفعه ليعانق الجنان، وهي تخفضه ليتلظى بالنيران، وهذا يجعل من الإنسان حارساً

 

أميناً على لسانه؛ لئلا يورده الموارد. وخير ما حفظت فيه  الألسنة ما كان متعلقاً بدنياك وكان سبيلاً لأخراك؛ فتَحفظ لتُحفظ، وتَرعى لتُرعى، وتخلل ذلك بدعوات مباركات أن يجنبك الله نزغات الشيطان وتوهيمه.

فالطلاق كلمة، ولكنها كلمة ذات خطر على الإنسان ومن يحب، فكم أبكت هذه الكلمة من عيون؟ وكم أحزنت من قلوب؟ وكم أوقدت في الصدور نيران الأسى؟ وكم كانت سبيلاً لنقض متين العلائق والصلات؛ لتُستبدل بالبغضاء والشنآن؟ إنها كلمة ولكنها على النفوس أثقل من جبال تهامة، ووقعها على الأسماع صاعقة تكاد تجتث كل معنى للحياة من القلوب، ولو نظرت في حال الزوجة المكلومة وهي تلقي نظرة الوداع على عشها الذي درجت عليه؛ لكان عليك أن تفكر وتقدر مرات ومرات قبل أن تُعمِل الألم في نفسها، لا ريب أنها لحظات تجعل منها ريشة في مهب الريح، ولو أعطيت أمانيها لتمنت أن لم تكن شيئاً مذكوراً. وعلى الرغم من كثافة هذه الكلمة وثقلها ووقعها المؤلم وإيحائها العميق، لا تزال تلك الكلمة تلاك من كثير من الناس، وكأنها نغم لذ سماعه، فهو لا يخجل من أن يشنف له سمع من كانت تساره وتضاره، ولو درى لعلم أن ذلك درب من دروب اللؤم وقلة المروءة.

كلمة الطلاق  أضحى لها حضور في ربوعنا عندما نضبت روح المودة والرحمة بين الأزواج، وقل استشعار معنى الزوجية في النفوس من قبل كل منهما؛ فغدا كل من الزوجين ذا شغل بنفسه عن الآخر مما أدخل هذا الرباط الحميميَّ في سبات عميق، لا يكاد يحركه طائف من الذكريات أو عابر من الخطرات؛ لأن ينبوعه وهو القلب في غفلة عنه؛ فأضحت الحياة الزوجية حينئذٍ جسداً لا روح فيه. ولو تعاهد الزوجان بناء الزوجية ورمّموا ما تهدم منه لكان حرياً بأن يدوم ويقاوم عاتي المنغصات والمكدرات ولكن ذلك لم يكن فكانت النهاية والبوار.

وهذه الكلمة البغيضة للنفوس قرعت منا الأسماع عندما خلف فينا خلف لا يرى للسعادة الزوجية حضوراً، إلاّ وسط مشاعر دافئة من الحب والرومانسية الحالمة؛ فإذا لم تكن فلا زوجية ولا أثر لها في تحقق الاستقرار، وهذه حال كثير من

 

أبناء السنينَ الأواخر؛ لذا كثر الطلاق فيهم، ولو عقلوا لعلموا أن حسن العشرة ودوامها كفيل بصياغة أعنف الحب وأمتنه وأكثرَه تضحية على مر السنين، ولو كان ما طلبوا هو المقوم الأساس للأسرة لما قام من الأسر عشر معشار ما هي عليه، ولما تحققت عَمارة الأرض. جاء رجل إلى عمر بن الخطاب س يستشيره في طلاق امرأته؛ فسأله السبب الباعث على صنيعه؛ فأخبره أنه لا يحبها؛ فأرشده إلى أن البيوت لا تقوم على الحب وحده؛ فإذا لم تكن المودة فهـنـاك الرحمة(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).   [الروم: ٢١]، وكم كان فهم السلف لهذا الأمر مستقيماً؛ لذا اطرحوا هذه الخواطر الرديئة واجتنبوها.

ولا تكاد هذه الكلمة تغادرنا، أو تنقشع عن حواضرنا؛ لأننا عززنا من مكانتها بيننا؛ فلم نأخذ بمبدأ النقاش الهادئ في حل مشكلاتنا واحتوائها، بل استبدلنا ذلك بإشاعتها وإفشائها؛ فدخل فيها من لا يحسن إلاّ النفخ فيها من روحه الخبيثة؛ ليزيد في إشعالها وتأجيج نارها، وإن كان في القرابة ذو رشد؛ فتلحظ منه نكوصاً عن الإرشاد والإصلاح، ولو تفكر الزوجان وحكموا صالح الحلم فيهم لأدركوا أن المشكلات الزوجية تبدأ من البيت، وتنتهي فيه دون أن تتجاوزه قيد شبر، وإن حصل خُلْفٌ فيُستشار فيه من له عقل ودين، ولو أخذنا بذلك لأغلقنا على ذوي النفوس المريضة المنافذ، ولأصلحنا من حالنا.

ويكون الطلاق عندما يستخف برباط الزوجية، فلا تُراعى له مكانة ولا كرامة، فترى كثيراً من الأزواج في شغل عن بيته، فيومه مقسوم بين عمله ولهوه، ولا نصيب لأهله فيه، لا يتفقد حاجاتهم، ولا يقوم على رغباتهم، ولا يرعى مصالحهم، وإن خرق يوماً عاداته فلا يكادون يسمعون منه إلاّ السباب ومقذع الألفاظ مما يجعل هذه المرأة ـ إن كان فيها رادع من دين ـ في حيرة من أمرها تجاه هذا الزوج المتهالك على حظوظ نفسه المضيعِ لما أمره ربُّه بحفظه، وهذا ربما جعلها تفر إلى ما كانت تخشاه من بغيض الحلال إلى الله: الطلاق.

 

كثر الطلاق فينا عندما اختفت معالم القوامة؛ وانقلبت المفاهيم، فلبست المرأة لبوس الرجل ولبس الرجل لبوس المرأة، ورسَّخ من ذلك البعدُ عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، ويمم الزوجان ـ خلال ذلك الفراغ ـ وجوههم تجاه الإعلام الذي يعزز من جوانب الإفساد في المجتمع الأسري، ولن يهدأ له بال حتى يجعل منه أثراً بعد عين خراباً يباباً تنعب في بوم الخراب. ولا تعني القوامة هنا الاستبداد واطّراح صالح الرأي من الآخر، بل هي الأخذ بالحياطة والرعاية في تقويم العوج؛ وتسديد الخلل؛ وكل ذلك لدفع العنت عن من ولاك الله أمرهم.

ومهما جاهدت في دفع غائل السعادة: الطلاق  فثمة من ينافح ويكافح في سبيل إحضاره وجعله ماثلاً لا يكاد يغيب، وهم من تغلي قلوبهم بالحقد والحسد تجاه كل أمر صالح حسن؛ فلا يهنأ لهم بال، ولا يهدأ قرار حتى يروا من تلك البيوت المطمئنة مرتعاً للكدر ومأرزاً للخبال، وكم كانوا نقمة وبلية على قريب أو عزيز؟ ومن مأمنه يؤتى الحذر؛ فلا تُصخْ سمعك لكل قائل إلاّ لقائل قال بالحق وبه نصح.

ولو امتثل الناس ما أمروا به فتخيروا الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله، وظفروا بذات العقل والدين؛ لكانوا على أمر رشيد وعيش سعيد، ودنياكم هذه متاع وخير متاعها كما أخبر من لا ينطق على الهوى المرأة الصالحة؛ لغابت كلمة الطلاق عن مرابعنا.

والموفق هو من لا ينظر في حظوظ نفسه، ولا يكون له حراك إلاّ من خلالها،

بل هو الذي اطرح تلك الحظوظ، وأبصر في المصالح والمفاسد، وعمل بمقتضاها؛ ولهذا لو فكر الآباء والأمهات فيمن وراءهم من الأبناء لما أقدموا على هذا الأمر أمر الطلاق، ولتركوا هذا الخيار الجائر؛ ففي الطلاق هدم للسكينة في نفوس الأبناء، وتجفيف لمنابع الإبداع في عقولهم، وزرع لنابتة القلق واليأس في ذواتهم؛ فشر الطلاق على الأبناء عظيم الأثر، وهو الداء الذي يورث السقم. ولو أحجم الراغب في الطلاق عنه لحظوظ أبنائه لكان بهم براً رحيماً، ولن يعدم أجره

 

عند ربه، وربما أبدله الله بسبب من ذلك راحة وطمأنينة، وجعل له من وراء ذلك ما تقر له نفسه وينشـرح له صـدره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). [النساء:١٩]سئل ابن عباس -رضي الله عنه- عن الخير المرجو في هذه الآية؛ فقال: الولد الصالح، ومن ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه.

وإن أطبقت عليك الأمور بكلكلها، ولم تجد بداً من الطلاق؛ فاستخر الله سبحانه وسلْه بإلحاح أن يهديك لأقوم السبل، ثم استشر من تثق بعقله ودينه، ولا ريب أنك إن فعلت ذلك متحرياً الصواب ستُهدى لأمرك، وقد قيل: ما ندم من استخار الخالق واستشار المخلوق، واحرص عند مباشرة هذا الأمر أن يكون على هدي من السنة بأن يكون الطلاق مرة واحدة في طهر لم تجامعها فيه، وكم بعد الناس عن منهاج ربهم عندما جمعوا الطلاق كله في مجلس واحد؛ فضيقوا على أنفسهم، ثم رأيت منهم بعد ذلك انتجاعاً لأبواب العلماء يبتغون فسحة لإرجاع زوجاتهم، وكان الأمر إليهم لو أخذوا بسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأحمق الحمق وأبلغه شأواً من جعل طلاق زوجته تُكَأة لإلزام فلان أو فلان بأمر من الأمور؛ فيحلف بالطلاق لتُجاب دعوتُه، وربما مازح أقرانه بالطلاق، وربما راهن بالطلاق؛ فأضحت زوجه سلعة يساوم عليها، ويتحكم في مصيرها من ليس منها في شيء، والسبب ذلك الزوج الغشوم قليل المروءة والدين، وما أكثر هؤلاء الحمقى والمغفلين.

ومن أشد أنواع الطلاق وأكثره ضغطاً على النفس الطلاق التعسفي، الذي يحمل في نفسه الظلم والعدوان، كطلاق الزوجة حال مرض الموت، رغبة في حرمانها من الإرث، وهذا وربي من سوء الخاتمة، وهذا أمر لا يرضاه الله وتأباه المروءة.

وقد تكون الزوجة فقيرة أو عجوزًا فتطلق، ولا أمل لها حينذاك في زواج

 

آخر، وبقاؤها من غير زوج ينفق عليها أو يقوم على شأنها فيه إضرار بها ولؤم في معاملتها، وهو آثم بلا شك فيما بينه وبين الله تعالى؛ إذ استغل زهرة شبابها، ولم يكن عنده ما يحفظ لها كرامتها.

لقد أكرم النبي امرأة عجوزًا زارته، ولما سألته أم المؤمنين عائشة قال: «إنها كانت تغشانا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان»، فأين من تخلى عمن شاركته الآلام عن رحبة الإيمان؟!

إن الله -عز وجل- لم يخلق الزوجين بطباع واحدة، والزوجان اللذان يظنان أنهما مخلوق واحد يعيشان في أوهام؛ إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر برأسه؟! وكيف تريد هي منه أن يحس بقلبها؟!(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ). [البقرة: ٢٢٨].

إن النسيم لا يهب عليلاً داخل البيت على الدوام، فقد يكون في الجو ما يعكر صفوه، وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات، وتركُ التعليق المرير عليها. قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر». رواه مسلم.

ومن يتتبّع جاهدًا كلَّ عثرةٍ يجدها، ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ.

وهنا إضاءة مفادها أن المرأة كثيراً ما تطلب من الزوج الطلاق؛ لأنها تثق في عقله وحسن رعايته لرباط الزوجية، ولو وكل الأمر إليها لكانت حالها على غير ذلك. يروى أن الصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كانت له زوجة كثيراً ما كانت تطلب طلاقها؛ وذات مرة قال لها: أمرك بيدك؛ فدَهشت، ولم تعد إلى هذه الكلمة أخرى. فالمرأة ربما طلبت الطلاق لترى مكانتها من زوجها؛ لذا

 

عليك ألا تحمل كلامها على محمل الجد، وأعرض عنه ففي الإعراض المصلحة وتمتينُ أواصر المودة.

وثمة نادرة أختم بها كلامي وهي من مأثور العرب، وهي أن رجلاً عربياً طلق خمس نسوة في مجلس واحد، وهذا أمر يدعو للعجب؛ فالرجل له الحق في أربع نسوة؛ فكيف أتى بالخامسة؟ وتفسير ذلك أن رجلاً أتى زوجاته مغاضباً؛ فقال لهن جميعاً: أنتن طوالق!! فبرزت امرأة جاره من حمقها؛ فقالت: خيبك الله!! طلقت نساءك؟! فقال لها على الفور: وأنت طالق إن أذن زوجك؛ فقال ذلك الزوج المغلوب على أمره: قد أذنت، قد أذنت!! فلحقت بنسائه، وهذا من تعاستها! وكم من كلمة قالت لصاحبها دعني!!  

الكاتب: د. سعد الدريهم

عدد المشاهدات: 1
أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
88213

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري