خريطة الموقععن الموقع

مقالات الوعىأبحاث وآراءالتنويم الإيحائى › نَظَرات نقديّة للبرمجة اللغويّة العصبيّة NLP (1/2)

نَظَرات نقديّة للبرمجة اللغويّة العصبيّة NLP (1/2)

مدخل
بدأ ارتباطي ومعرفتي بحقل البرمجة اللغويّة العصبيّة (البرمجة اختصارًا) منذ أحد عشر عامًا، حيث بدأت رحلتي معها بقراءة كتاب
(1)عن البرمجة اللغوية العصبية وضعه الصديق الدكتور محمد التكريتي، وبعد فراغي من الكتاب والتأمل في تقنيات البرمجة المقترحة أحسست أنّها ظريفة ومفيدة، غير أنّني توقعت للبرمجة ألا تعدو مجرد كونها "موضة" تدريب وتنقشع، لتجيء موضة أخرى في فضاء ثقافيّ "يرحّب" بالأفكار ولا "يصنعها"!
ومما أزعجني في البرمجة أنّها تعتمد على المنهج النّفعيّ (سيأتي توضيح ذلك بالتفصيل) وغيرها من الأمور. والحقيقة أنّني حينذاك لم أكنْ على دراية بالأسس الفلسفيّة للبرمجة لعدم وقوفي على المصادر الأصليّة لها، حيث إنّها لم تكن البرمجة من جملة اهتماماتي الأساسيّة، فذهبت بضع سنوات وأنا أحمل ذات القناعات حيال البرمجة، وكنت طيلة تلك الفترة أسرب بعض قناعاتي "المبدئية" لبعض الأصدقاء وأجد تفاوتًا في الآراء.
ثم ما لبثت البرمجة أن انتشرت بشكل لم يكن يخطر على بالي (مع أنّني مصرّ على أنّها موضة أو هكذا يجب أنْ تكون!)، فتنافست مراكز التدريب وكثير من المدربين المرموقين في العالم العربيّ على التبشير بها، وجعلت جحافل الترويج للبرمجة تقرع كلّ أذن وتقع على كلّ عين، واحتدم النقاش بين مؤيّدين ومعارضين، وتوقف قوم، فلا هم من هؤلاء ولا من هؤلاء، ومع شيء من القراءة والنّقاش اتضح لي معالم جديدة في البرمجة زادت من مخاوفي السابقة، فقررت أن أبدأ رحلة أخرى مع البرمجة، رحلة أكثر عمقًا تمكّنني من الوقوف على جوهرها، فكان لزامًا عليّ أنْ أبدأ بالفلسفة التي تقوم عليها البرمجة، مرورًا بأطرها الثقافيّة والنفسيّة.
ولقد خلصت بعد ذلك إلى كتابة بحث نقديّ تضمن بعض النتائج التي رأيت أنّها جديرة بالطرح والنقاش في الساحة الثقافيّة، علّها تكون معينًا لنا على الوصول إلى الحقيقة تجاه البرمجة بكل تجرّد وموضوعيّة. ولقد حرصت على صياغة البحث بأسلوب علميّ سهل، ولذا فإنّني أرجو أنْ يجده القارئ "خفيف الظلّ"، مع التأكيد على أنّ قراءة موضوع كهذا يجب أنْ تتلبّس بالتأنّي والتأمّل.

مقدّمات حول البحث
تحاول هذه المقالة ممارسة العمل النقديّ لحقل البرمجة من حيث المنطلقات والآثار و الانعكاسات. وفي هذه الممارسة النقديّة سيتمّ التركيز على الأسس التالية:
1- الأُسس الفلسفيّة والمنهجيّة للبرمجة.
2- الأُسس الثقافيّة للبرمجة.
3- الأُسس النفسيّة.
وقبل البدء بمناقشة هذه المحاور يتعين علينا الإشارة إلى بعض القضايا الهامّة التي تشكل إطارًا يساعد على فهم الممارسة النقديّة في هذه الورقة البحثيّة.
a- العمل النقديّ في هذه الورقة يؤمن بوجوب دوران الحركة النقديّة في فلك التحليل الحضاريّ، الذي يتفهم تموضع ووظيفة الثقافة في مسار التحضّر، ويدرك سير الأمة وتقلباتها في هذا المسار. ومع استفراغ الوسع للتلبّس بهذه الصّفة، لا تدّعي هذه الورقة أنّها حقّقت نجاحًا كبيرًا في القيام بهذه المهمة العسيرة. ونحن في هذا السياق نؤكّد على أهميّة وجود محاولات جادّة في سبيل رسم الإطار النظريّ والمفاهيميّ للحركة النقديّة الثقافيّة الحضاريّة
(2).
b- إنّ الممارسة النقديّة للبرمجة ستوجه بشكل رئيس إلى إطارها وفلسفتها ونسقها العام دون ملامسة تفاصيلها وتقنياتها وطرقها العمليّة، إلا على سبيل إيراد بعض الأمثلة والشواهد على ما نسوقه في هذه الممارسة النقديّة.
c- إنّ هذه الممارسة لا تدّعي الإتيان على كافة القضايا المهمة المتعلقة بحقل البرمجة، وذلك طلبًا للاختصار والتركيز، مع الإشارة إلى أهميّة وجود دراسات أكثر شمولاً وعمقًا.
d- اتّكأ هذا العمل النقديّ على مقولات ورؤى وفلسفة منظري الحقل، ممن يشهد لهم بالريادة والتأثير النظريّ والعمليّ على حقل البرمجة.
f- تناول العمل النقديّ بعض الجوانب المتعلقة بالمتخصصين في البرمجة في العالم العربيّ الإسلاميّ، دون الدخول في مناقشة تفصيليّة لآرائهم حيال البرمجة فلسفيًا ونظريًا مع إيمان الباحث بأهميّة ذلك لانطواء بعضها على ما يستوجب العمل النقديّ الجادّ.
h- في هذه الممارسة نثبت النصّ الإنجليزيّ لبعض القضايا الهامة بجانب الترجمة العربيّة وذلك للتوثيق العلميّ، والتأكّد من مدى وجود فهم مشترك للنّص.
وبعد هذه المقدمة المختصرة، يتعين علينا البدء بتعريف حقل البرمجة كي يكون ذلك منطلقًا لفهم واستيعاب بنية الحقل وفلسفته وأهدافه ومنهجيّته وتطبيقاته ومجالاته.

ما هي البرمجة اللغويّة العصبيّة؟
البرمجة حقل معرفي نشأ وتبلور في السبعينيّات الميلاديّة على أيدي مجموعة من المنظّرين والفلاسفة الغربيّين أبرزهما على الإطلاق "ريتشارد باندلر" و"جون قريندر
(3)" Richard Bandler & John Grinder ، وشاركهما في تأسيس وتأطير وتطوير الحقل جملة من المنظرين الآخرين أمثال "روبرت ديلتس" و (4)"جوديث ديلوزير" Rober Dilts & Judith Delozier,. مع أنّه يجب أنْ نأخذ في الاعتبار أنّ هذا الحقل قد تأسس على بعض الرّؤى الفلسفيّة لمجموعة أخرى من الفلاسفة الغربيّين (5). حقل البرمجة يتعاطى مع الظواهر الإنسانيّة من خلال ثلاثة مكوّنات هي: الجهاز العصبيّ Neuro واللّغة Language و البرمجة Programming، وهذه المكوّنات الأساسيّة أعطت للحقل اسمه المعروف البرمجة اللغويّة العصبيّة Neuro-Linguistic Programming (NLP) . ولعلنا نورد هنا بعض التعريفات للبرمجة، مع حرصنا على إثبات تعريفات كبار منظّري وفلاسفة حقل البرمجة. يعرف ريتشارد باندلر البرمجة بقوله:
" إنّ البرمجة اللغويّة العصبيّة هي اتجاه (أو توجه) و منهجيّة يخلفان أثرًا من جراء تطبيق بعض التقنيات"
“NLP is an attitude and a methodology, which leave behind a trail of techniques”
(6)
في حين يذهب روبرت ديلتس أن "البرمجة اللغويّة العصبيّة هي كل ما يحقق النتائج"
“ NLP is whatever works”
(7)
ويعضد هذه المعاني ما جاء في موسوعة البرمجة
(8) المعدة من قبل اثنين من أبرز روّاد ومنظري البرمجة وهما "روبرت ديلتس" و "جوديث ديلوزير"، حيث يقولون : إنّ البرمجة اللغويّة العصبيّة مدرسة فكريّة نفعيّة – فلسفة للعلوم تعالج المستويات المتعددة في الإطار الإنسانيّ"
“NLP is a pragmatic school of thought - an 'epistemology' - that addresses the many levels involved in being human”
(9) .

نقد الأساس الفلسفيّ

نقد الأُسس الفلسفيّة والمنهجيّة للبرمجة
تتمحور نظريّة المعرفة أو الابستمولوجيا أو ما يمكننا تسميته بـ"المعرفيّات" في جوهر التساؤل الفلسفيّ الكبير "عمّا يمكن اعتباره علمًا أو معرفة صحيحة، دقيقة، موضوعيّة"، وحتى لا يعترض علينا البعض ممّن لا يرى، ولا يسلّم بأنّ صفات الصّحة والدّقة والموضوعيّة هي السّمات الأساسيّة للمعرفة الإنسانيّة؛ دعونا نقل "المعرفة الإنسانيّة التي ُيرى أنّها قابلة للتفعيل في المحيط الاجتماعيّ اعتماداً على أسس يتّفق عليها مجموعة من الباحثين". ومدخل المعرفيّات – متجسدًا بذلك السؤال الضخم - يستدعي بالضرورة وضع تعريف ضابط لـ "العلم" أو "المعرفة"، وتحديد - من ثم - وسائل الحصول على المعلومات التي تشكل بنية هذا العلم أو المعرفة، وكل هذا يجب أنْ يشتمل على تأطير حدود هذا العلم أو المعرفة وتحديد صفات الرديء منه والجيّد. وهذا السؤال بذاته مبحث فلسفيّ كبير لا يسعنا الخوض فيه، بل وليس ثمّة حاجة إلى ذلك أصلاً في بحثنا هذا. إذن ما يهمّنا هنا هو الإشارة على عجالة إلى أهم الأسس الفلسفيّة المعرفيّة التي أرى أنّ حقل البرمجة قد تأسّس عليها.

البرمجة والفلسفة البراغماتيّة
يقوم هذا الحقل على ما يسمى بالمنهج النّفعيّ "البراغماتي" Pragmatic Approach ، وهو المدخل الذي يرى أنّ النّفعيّة هي المعيار لتحديد المعرفة الإنسانيّة الصّحيحة الدّقيقة أو التي تمتلك مقوّمات التفعيل في المحيط الاجتماعيّ. إنّه منهج مشابه لمن يتعاطى العلاج بالأعشاب، فكلّ عشب ينفع مع مريض يمكن أن ينفع مع الآخر المشابه في الأعراض والشكوى، دون إخضاعه للتجربة بضوابطها المنهجيّة المحكمة. وكذلك يفعل المتخصصون في البرمجة اللغويّة العصبيّة "أو البرمجيّون - اختصارًا" إذ إنّهم يطبّقون كلّ نموذج "يعمل" دون النّظر في منطلقاته الفلسفيّة والفكريّة أو صحّته التّجريبيّة. بل إنّ منظّري البرمجة يعدون هذا واحدًا من أهمّ مزاياها حيث يقول أصحاب موسوعة البرمجة "روبرت ديلتس" و "جوديث ديلوزير" ما نصه:
“Perhaps the most important aspect of NLP is its emphasis on practicality”
(10).
وهنا قد يثور تساؤل جوهريّ بل أكثر مفاده :
- ما الخطأ في هذا المنهج النّفعيّ الذي يتبناه حقل البرمجة؟
- وهل سلم المنهج العلميّ من الأخطاء، حتى نحاكم الحقول المعرفيّة له ونحكمها بها؟
يمكننا تقديم الإجابة على الشطر الثاني من السؤال - لاعتبارات منطقيّة – وذلك بالقول: إنّ المنهج العلميّ باعتباره فكرًا إنسانيًا لا يمكن الزّعم مطلقًا بخلوّه من المثالب والعيوب والصعوبات فلسفيًّا ومنهجيًّا وعمليًّا، غير أنّه أسلم المناهج الذي يمكّننا من الحصول على المعارف الإنسانيّة واختبارها وتجريبها وإنضاجها فلسفيًّا أو علميًّا أو معًا، وربّما تتّضح معالم هذا التميّز والتفوّق من خلال استعراضنا لبعض مثالب وعيوب ونتائج تبنّي المنهج النّفعيّ في الحقول المعرفيّة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ التركيز سيكون على تلك التي لها صِلة أكبر وأوثق بحقل البرمجة.
يمكننا تلخيص أهمّ عيوب المنهج النّفعيّ بالنّقاط التالية:
1- عدم إمكانية التحقق من نتائجه Verification باعتبار الصّحة المنهجيّة، الفلسفيّة أو التّجريبيّة وباعتبار أثر هذه النتائج من حيث ديمومتها وطبيعتها وقوّتها، وذلك لانعدام وجود معايير وطرق وخطوات منهجيّة وعمليّة للتجربة والقياس والتحقّق. وفي هذا السياق نجد أنّ أسئلة ملحةً كثيرًا ما تعرض لمن يتدرّب على البرمجة دونما إجابة مقنعة من البرمجيّين غير إيراد "مزاعم"– قد تثبت أو تنفى – عارية من كل دليل تجريبيّ أو برهان عقليّ. ويقف على رأس هذه الأسئلة عند كثير من المتدرّبين والمتابعين للبرمجة ما يتعلّق بمدى ثبوت وديمومة الأثر الذي يتحقّق من جراء تطبيق إحدى تقنيات البرمجة.
2- صعوبة تحديد من يمتلك حقّ التّصديق أو "الختم" على أنّ هذه المعرفة أو تلك نافعة "معرفة تعمل وتؤثّر وتُحدث أثرًا مرغوبًا!". وتتأكد الإشكاليّة في هذا السبيل إذا ما رُوعي أنّ حقل البرمجة نشأ وطوّر على أيدي مجموعة من المنظّرين الغربيّين الذين يمتلكون خصائص فلسفيّة ومعرفيّة ونفسيّة وكاريزميّة مميّزة. وفي هذا السّياق يحقّ للناقد أنْ يتساءل:
- هل هذه الخصائص لهؤلاء المنظّرين معياريّة؟
- هل يجب توافرها في كل من يروم تنظيرًا وإسهامًا في البرمجة؟
- أم ُيفتح باب الاجتهاد "النّفعيّ" لكل أحد دون شرط أو قيد مادام أنّ الحقل يعتنق المبدأ النّفعيّ؟
- هل يوافق من يرى أنّ "المَشْي على الجمر" تقنية برمجيّة نافعة؟ ولماذا لا يكون المَشْي على مسامير نافعًا أيضًا؟ ما المعيار في ذلك؟ أليس النّفعيّة؟
هذه الأسئلة - وأمثالها كثير - تحتاج إلى إجابات "منهجية" (أو قل "مقنعة!" – حتى لا يشغب علينا البرمجيّون على استخدام منهجيّ) من منظّري وفلاسفة المنهج "النّفعيّ"، بحسب قراءتي المتواضعة لأدبيّات البرمجة لم أقف على إجابات مقنعة على تلك الأسئلة الخطيرة. وهنا نتساءل مجددًا عن مدى إمكانيّة الظفر بإجابات من قبل البرمجيّين العرب والمسلمين حيال هذه القضايا ذات البعد الأيدلوجي.
g- ينتج مما سبق مشاكل و صعوبات غاية في التعقيد والخطورة والتي منها:
a- إشكاليّات كبيرة فيما يتعلق بالتعميم Generalization: يمكن استجلاء بعض الإشكاليّات التي تصاحب وتنجم عن المنهج النّفعيّ بخصوص قضية التعميم عبر طرح الأسئلة الخطيرة التالية:
- هل يمكن تعميم "نفعيّة" كل النماذج التي ثبت نفعيّتها عند كلّ أحد؟ أم يلزم ثبوتها عند رواد الحقل ومنظّروه (وفلاسفته!)؟
- هل يمكن تعميم نتائج أو آثار التطبيق؟
- هل الأثر الذي تتركه تطبيقات البرمجة دائم أم مؤقّت؟ وما المعايير في التفريق بين هذا وذاك؟
- أين دور "الثقافة" في التأثير؟
- هل يصلح المنهج النّفعيّ للإجابة على مثل هذه الأسئلة أم أنّنا نحتاج إلى المنهج العلميّ؟!.
والمصيبة تعظم لأن حقل البرمجة "يحاول" جاهدًا أنْ يعالج مشكلة التعميم لدى المتدرّبين، وهنا أشير إلى أنّ هذه المحاولة تعدّ بحقّ من أنفع طروحات الحقل، ذلك أنّها تكسب المتدرّب صفتي "المرونة" و"اليقظة" في التّفكير والممارسة. غير أنّ البرمجة فشلت في تبني منهج أو عادة تحاول إكسابها لغيرها!!
b- انعدام التراكميّة Lack of Accumulation : وهنا أشير إلى قناعة (فلسفيّة) لديّ وهي أنّ استمرار هذا الحقل على النهج النّفعيّ – على افتراض إمكانيّة استمرار الحقل أصلاً! - سيؤدّي إلى إنتاج تراكم معرفيّ أو قل "أخلاط" معرفيّة لا تنتظم بأيّ إطار فكريّ أو فلسفيّ يمكّن من تقييم النماذج والتطبيقات المبعثرة في خارطة الحقل، حيث ستتراكم أكداس من التطبيقات التي ربما يعارض بعضها بعضًا أو يلغي بعضها أثر بعض. وهنا تتضح أكثر فأكثر بعض المشاكل، لاسيّما في الحقل الثقافيّ، وفي تلك المرحلة ربّما تزداد أصوات المطالبين بمزيد من الحزم "المنهجيّ" - بشقّيه الثقافيّ والفلسفيّ - في التعامل مع هذا النّثار المعرفيّ.
ومثل هذا الاستعراض السريع يبيّن بجلاء خطورة تبني المنهج "النّفعيّ" في الحقول المعرفيّة، بل ومِمّا يثير الدّهشة – فعلاً- أنّ رواد البرمجة
(11) لم يكتفوا بتبني هذا المنهج واعتباره إيجابيًّا و"مكسبًا" للحقل، بل راحوا يقلّلون ويزدرون المنهج العلميّ ويُكيلون التّهم - وبنبرة تهكميّة - لبعض الحقول المعرفيّة العريقة كـ "علم النفس"، وهنا يمكننا أنْ نسجّل دهشتنا الكبيرة لسرّ هذا الهجوم غير العلميّ وغير المنصف، ومع إدراكنا لوجود خلفيّة "ثأر نفسي" بين بعض روّاد حقل البرمجة وعلم النفس تحديدًا، فإنّ الناقد يأكله الاستغراب من جرّاء اتباع جملة البرمجيّين المرموقين في عالمنا العربيّ لمثل هذا المنهج (اللاعلميّ) في التّعاطي مع الحقول المعرفيّة "الصّديقة" و"المنافسة" في المجالات الأكاديميّة والتّدريب.
وهذا لا يجب أنْ يُفهم منه دفاعي عن أيّ حقل معرفيّ، بل إنّني أدعو وأشاطر رأي من يوجّهون نقدًا علميًّا أو فلسفيًّا لهذه الحقول وعلى رأسها "علم النفس" لإخفاقاته في تحقيق تقدّم في بعض المسارات الهامّة في خارطة الإنسان الروحيّة والعقليّة والجسديّة والعاطفيّة. وفي هذا السياق يحسن بنا أنْ نؤكّد على أنّ البرمجة اللغويّة العصبيّة قد حققت تقدمًا كبيرًا في بعض المسارات والتي من أبرزها - في نظري- "نمذجة" السلوك والأداء الإنسانيّ of Behaviour and Performance Modelling .
وربّما يعطي هذا التقدّم لحقل البرمجة مع استخدام المنهج النّفعيّ دلائل وإشارات إلى أهمّ أوجه ضعف "المنهج العلميّ" والتي تتمثل – في رأيي – في عدم إعطاء المرونة الكافية مما يحدّ أحيانًا من قدرة العالم والباحث على الإبداع في التّعاطي مع العلم والمعرفة إنتاجًا ونقداً، لاسيّما داخل االرّواق الأكاديميّ "الأكاديميا"، ذلكم االرّواق الذي يحتاج منا أيضًا إلى وقفة نقديّة تعرّي خروقه وثقوبه وعيوبه. ومثل هذا النقد يتأكّد إذا سلّمنا بأنّ أكثريّة علماء وباحثي العلوم الاجتماعيّة في العالم العربيّ مصابون بداء أسميه بـ "السّلفية للذهنيّة الغربيّة"، تلك السلفيّة المقيتة تتعدّى أطر الإفادة مما يمكننا تسميته بـ "المنهجيّات الصلبة" (والتي يمكننا تشبيهها بالأوعية أو الأواني التي تنقل الأطعمة والأشربة) والمتضمّنة للإجراءات "العمليّة" في البحث والقياس، إلى نسخ "المنهجيّات الرّخوة" (وهي الأطعمة والأشربة ذاتها!) والمتمثلة في الفلسفة "الأيدلوجيّة" والتي تنقل في أغلب الأحيان إلينا أفكارًا ميّتة و أخرى ُمميتة
(12)في محيط الثقافة.
إذن نحن بحاجة ماسّة لممارسة نقديّة واعية للمنهج العلميّ وتطبيقاته وكافّة المناهج المنافسة وتطبيقاتها بغية الوصول إلى منهج علميّ يعصم التفكير الإنسانيّ من الخطأ المنهجي – قدر المستطاع –، ويزيد من إنتاجه، ويستفز إبداعه؛ بما يستلزمه ذلك من بلورة وإنتاج لمصطلحات ومفاهيم فلسفيّة عميقة تضيف أبعادًا وأدوات تفكيريةً خلاقة تقود إلى اختراق فضاءات معرفيّة جديدة، وتطوير لأدوات قياس علميّة للظواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة تحظى بالثبات والصّحة Reliability & Validity. ونحن إذ نقرّر ذلك يتوجب علينا التأكيد على حتميّة انبثاق واهتداء هذا المنهج بمنطلقات وأسس فكرنا الإسلاميّ الأصيل، اعتمادًا على قرآن ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا محمد - صلى الله عليه وسلم-.

النسبية "المطلقة" Absolute Relativism
طبقاً لمنظومة قيم البرمجة Belief System of NLP، تتبنى البرمجة مبدأ "النسبيّة" في تحصيل العلم أو المعرفة بما يتضمنه ذلك من: التّفكير، الإدراك، التّحليل، الفهم، حيث تؤمن البرمجة باستحالة الظفر بـ "المعرفة أو الحقيقة الموضوعيّة" من قبل أيّ إنسان!. وفي هذا يقول أصحاب موسوعة البرمجة "روبرت ديلتس" و "جوديث ديلوزير" ما نصه:
“In the Belief system of NLP, it is not possible for human beings to know objective reality”
(13)
وهذا يجعلنا نرجع هذه الفلسفة ونربطها بفلسفة أخرى وهي ما يعرف بالفلسفة "التركيبيّة"
(14) Constructionism ، هذه الفلسفة تؤمن بأنه لا يمكن للإنسان أنْ يظفر بمعرفة موضوعيّة وذلك أنّ المعرفة لا يمكن فصلها عن الإنسان فكرًا وقيمًا Value-laden ، وهي إنّما تتشكّل بحسب رؤية وتركيب الإنسان لها في خضم التفاعل الاجتماعيّ. وأدّت – حتمًا – هذه الفلسفة التركيبيّة إلى ثَغَرات ضخمة من أبرزها إيغالها في النسبيّة المطلقة أو فلسفة "كلّ شيء نسبيّ"Everything goes relativism ، كما أنّ بعض الباحثين الغربيّين أنفسهم يتهمون التركيبيّة أنّها أزالت الفرق بين المعرفة "المنظّمة" التي يكتسبها الباحث أو العالم عبر منهجيّته، وتلك التي يكتسبها الرّجل العاديّ عبر "اللامنهجيّة" !!
وبناء على ما سلف ذكره، نخلص إلى أنّ في هذا المدخل ضيقًا وتطرّفًا واضحًا، إذ إنّ المعارف تتفاوت من حيث كُنهها وخصائصها ووظائفها ومصادر الحصول عليها، لدرجة تجعلنا نرفض هذا التقييد "المتطرّف" للمعرفة الإنسانيّة. أي أنّنا نؤمن بأنّه يمكن لنا أنْ نظفر بمعرفة "موضوعيّة" يتّفق عليها – صحة ً - مجموعة من الناس اتكاءً على معايير محدّدة، بجانب تلك المعرفة "الشخصيّة" والتي تتلوّن "بنظارتنا" النفسيّة أو الحضاريّة في إطار من التفاعل الاجتماعيّ؛ على المستويين الفرديّ والجمعيّ.
وهذه المدرسة التركيبيّة جاءت كردّة فعل لإيغال الفلسفة الوضعيّة Positivism
(15) في تبني الطّرق "الموضوعيّة" Objectivism وهي أدوات العلوم التّجريبيّة، حيث إنّها الطّريق الأوحد الذي يمكّن الإنسان من الحصول على معرفة موضوعيّة يمكن اختبارها وتجريبها على حدّ زعم هذه الفلسفة. كما أنّها تزعم بأنّ البحث العلميّ يجب أنْ يكون مجردًا من الإطار القيمي Value-freeولذا فهي تؤسّس لقبول الواقع كما هو، وعليه فإنّها لا تعتد - مثلاً - بالعلوم الدينيّة "الشرعيّة" المستقاة من الوحي المطهّر لانتفاء شرط الاختبار والتجريب فيها، بل تعدها علومًا ميتافيزقيّة. إنّها باختصار فلسفة "عديمة الخلق"، "سطحيّة"، "ملحدة" لا تؤمن بما وراء الطبيعة من ربّ خالق مدبّر رازق، أوجد الإنسان والكون لغاية محدّدة، كما قال الحق تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذريات:56]، ولتحقيق هذه الغاية أكسب الله تعالى الإنسان طاقات عقليّة ضخمة تدلّه على خالقه وتعرّفه بأسرار الكون ومفاتيح عمارته عمارةً راشدة مهتدية متوازنة.

الزّعم بتبني التّفكير المنظومي Systems Thinking
تزعم البرمجة أنّها تتبنّى مدخل "التفكير المنظومي" في معالجتها للظواهر الإنسانيّة، حيث إنّها تدّعي أنّها تعالج الظاهرة المعينة باعتبارها نظامًا جزئيًّا Subsystem في إطار نظام شمول Holistic System، وفي هذا السياق يذهب أصحاب موسوعة البرمجة "روبرت ديلتس" و "جوديث ديلوزير" على أنّ هذا سِمَة أساسيّة وفائقة في البرمجة، بل إنّهم يعتبرون هذا المدخل واحدًا من أهم ٌمسلّمتين في البرمجة. وهذا المدخل ينصّ على أنّ الحياة والعقل عمليات منظوميّة ” Life and Mind are systemic processes“. وعند النّظر في أدبيّات البرمجة وتطبيقاتها نجد أن مثل هذا الزعم باطل وغير متحقق، بل إن ما يناقضه هو المتحقق في حق البرمجة، حيث إنّها تتبنّى منهجًا تجزيئيًّا تبسيطيًّا عند تعاطيها مع الظواهر الإنسانيّة، ربما بحجّة تحقيق شرط وصفة "العمليّة"!!. وحتى لا يكون هذا – أي ما قرّرته - مجرّد زعم أورده فإنّه يتعين علينا أنْ نأتي ببعض الأدلّة والأمثلة.
من ذلك أنّهم حين يمارسون مثلاً تقنية الإرساء Anchoring لا يهتمّون بالخلفيّة النفسيّة والاجتماعيّة للعميل المتدرّب، وحينما تذكّرهم بأهميّة ذلك يقولون لك: لدينا شيء في البرمجة اسمه البرامج العلياMeta Programmes تراعي مثل تلك القضايا!!، ونحن نتساءل هنا:
- لمَ لا يتمّ تفعيل البرامج العليا عند تطبيق هذه التقنية أو تلك؟
- هل يعود السّبب إلى أنّ ذلك يجرّ عليهم تعقيدات "نظريّة" لا طائل من ورائها؟
- ألا يوقفهم هذا على تعقد الظاهرة الإنسانيّة؟ وسطحيّة المنهج النّفعيّ؟ و اكتشاف أُكذوبة تبنّي المنهج النظاميّ؟


* كاتب وأكاديمي سعودي
1- د. محمد التكريتي (1993)، آفاق بلا حدود، الرياض: دار المعا رج، ط1.
2- في ضوء مصطلح "النقد الثقافيّ الحضاريّ"، يشير النقد الثقافيّ إلى ممارسة العمل النقديّ داخل أروقة الثقافة الواحدة، كالنقد داخل الثقافة العربيّة الإسلاميّة. بينما يعمل النقد الحضاريّ على رفع سقف النقد الثقافيّ وتوسيع دائرته ليشمل تموضع وحركة الأمّة ذات الثقافة الواحدة في خضم المسار الحضاريّ وتفاعلها مع الحضارات الأخرى. أي أنّنا نمارس العمل النقديّ في ضوء مستويات متعدّدة من التحليل. الأمر الذي يبيّن سرّ وفلسفة الجمع بين مصطلحي الثقافة والحضارة في هذا السياق.
3- كما تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الباحثين العرب يقترح بعض المصطلحات ذات البعد التكاملي في العمل النقديّ. فمثلاً يطرح عالم الاجتماع المغربيّ مصطفى محسن مصطلح "النقد متعدّد الأبعاد"، انظر مثلاً:
4- - مصطفى محسن (2002)، في المسألة التربويّة – نحو منظور سوسيولوجي منفتح، ط2، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
5- لقريندر وباندلر العديد من الكتب التي تعتبر المراجع الأساسيّة للبرمجة. من هذه الكتب ما يلي:
- Grinder, J. and Bandler, R. (1975-6), The structure of magic 1-2, Science and Behaviour Books.
- Bandler, R. and Grinder, J. (1979), Frogs into princes, Real People Press.
- Grinder, J. and Bandler, R. (1981), Trance-Formations, Neuro-Linguistic Programming and the structure of hypothesis, Real People Press.
- Bandler, R. (1985), Using your brain for a change, Real People Press.
انظر مثلاً:
- Grinder, J., Bandler, R., and DeLozier, J. (1977), Patterns of hypnotic techniques of Milton H. Ericson, MD, Meta Publications.
- Dilts, R. (1983), Applications of Neuro-Linguistic Programming: A practical guide to communication, learning and change, CA: Meta Publication.
على الرغم من أنّ "باندلر" و"قريندر" هما المؤسسان المباشران للبرمجة اللغويّة العصبيّة، يتفق كثير من الباحثين أنّ جملة من الفلاسفة والباحثين الغربيّين أسهموا بتأسيس منطلقات في البرمجة، ومن أولئك باحث اللغويّات البولندي "الفريد كورسيبسكي" Alfred Korzybski وهو صاحب المقولة بل الفلسفة التي أثرت على كثير من جوانب البرمجة وهي: "الخريطة ليست هي الواقع" The map is not the territory ، ومعنى هذه الفلسفة أنّ العالم في ذهن الإنسان ليس هو العالم الحقيقيّ، وهي مرتبطة بالفلسفة التركيبيّة التي عرضنا لها في مبحث آخر. وكما هي طبيعة الفلسفة الغربيّة بإجمال، نزعت فلسفة "كورسيبسكي" إلى التطرّف حيث زعمت أنّ مصادر مشاكل البشر هي اللّغة! ومع هذا التطرّف وهذا الخرق الواضح في بنية هذه الفلسفة وذلك باستبعاد البعد العقديّ في الصّراع نقول: إنّ فلسفة "كورسيبسكي" فلسفة عميقة ومفيدة بشرط عدم أخذها كحقيقة ومسلمة مطلقة بحيث تنطبق على كافّة الحالات والأوضاع الإنسانيّة بغض النظر عن نوع المعرفة، وطبيعة البحث، ومنهجيّته، وصفات الباحث، وما إلى ذلك. وفي ظنّي أنّ هذه الفلسفة بعد تأطيرها يمكن أنْ تكون ذات تأثير إيجابي كبير في إكساب الإنسان – باحثاُ كان أو رجلاً عاديًا– قدرًا من المرونة والتواضع في التعاطي مع الحقّ والحقيقة. ومن أولئك الفلاسفة أيضاً الفيلسوف الأمريكي "ويليام جيمز William James" وهو من أشهر مَن طوّر المنهج النفعي. وللاستزادة يمكنك مراجعة كتابي "كورسيبسكي" و"جيمز" الآتيين:
- James, W. (1890), Principles of psychology.
- Korzybski, A. (1933), Science and sanity, The International Non-Aristotelian Library Publishing Company.
6- O’Conner, J. (2001), NLP workbook, London: Element, p. 2.
7- Ibid, p. 2 .
8- Dilts, R. and Delozier, J., Encyclopedia of systemic NLP and NLP new coding, available in the internet at: www.nlpuniversirypress.com.
9- Ibid, (see the section of the letter N). .
10- Dilts, R. and Delozier, J., Encyclopedia of systemic NLP and NLP new coding, available in the internet at: www.nlpuniversirypress.com., (see the section of the letter N). .
11- انظر بعض كتب Richard Bandler & John Grinder ) ) المذكورة في الجزء الأول.
12- مصطلحي الأفكار الميتة والأفكار القاتلة (المميتة) للمفكر مالك بن نبي، انظر له مثلاً كتابي: فكرة كومنولث إسلامي، و مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.
13- Dilts, R. and Delozier, op. cit., (see the section of the letter S).
14- أنظر مثلاً :
- Klee , R. (ed.) (1999), Scientific inquiry, NY, Oxford: Oxford University Press.
- Tashakkori, A. and Teddlie, C. (1998), Mixed methodology, Thousand Oaks, London: Sage Publications.
- Urmson, J. and Ree, J (1996), The Concise encyclopedia of Western philosophy and philosophers, London, NY: Routledge.
- Watzlawick, P. (ed.), (1984), The invented reality, NY: W. W. Norton-
15- انظر المراجع الثلاثة الأولى السابقة.

الكاتب: د. عبدالله البريدي
عدد المشاهدات: 5

التعليقات على نَظَرات نقديّة للبرمجة اللغويّة العصبيّة NLP (1/2)0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
50572

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري