خريطة الموقععن الموقع

مقالات الوعىأسلوب الحياةالمعرفة والوعى › بناء المعرفة ومن ثم القوة

بناء المعرفة ومن ثم القوة

يقال إن الأسد - وهو رمز السطوة والقوة في مملكة الحيوان - إذا لم يكن ذا معرفة بأسلوب اصطياد الفريسة وبالفريسة فإنه حتماً سيموت جوعاً.

وكذلك الإنسان، فإنه حين يمتلك المعرفة فإنه في الحقيقة يملك قوة... وأية قوة؟!. إن القوة في ميزان وتقدير الإنسان لها صور عدة، إلا أن أبرزها في تاريخ الحياة البشرية هي القوة القسرية، متمثلة في سطوة الجسم والعضلات المفتولة، وضخامة العدة والعتاد العسكري... الخ.

ومع ذلك فالقوة الاقتصادية متمثلة في كثرة المال تاريخياً كانت تمثل صورة أخرى من صور القوة، حيث كان من يملك المال والأرض يمكن أن يملك الرقاب ويقسرها على عمل تكرهه... أو على الأقل لا تريده...

أما المعرفة، وإن كانت ذات وجود كصورة ثالثة من صور القوة، إلا أنها لم تكن بالاتساع والتأثير كما هي في وقتنا الحاضر، أو كما أصبحت في العصر الحديث...

يقول أحد المفكرين الغربيين عن هذه الصفة في المعرفة: "إن معظم الافتراضات المتعارف عليها عن القوة في الحضارة الغربية على الأقل، تعتمد على أن القوة هي قضية كم، ولكن مع أن بعضنا بوضوح يملك قوة أقل من غيره من حيث الكم إلا أن مثل هذه النظرة التي تركز على الكم تغفل الجانب النوعي والتي يمكن أن ترفع من شأن الواحد في موقفه حتى لو كانت هذه القوة من حيث الكم أقل من غيرها".

بالجانب النوعي في القوة هي مدى الاتساع في التأييد وذلك أن القوة القسرية مع أنها يمكن أن تؤدي إلى نتائج تغييرية إلا أنها تبقى في الشكل ذلك أنه يمكن قلب الوضع في المجتمع بالقوة العسكرية وإرغام الناس على سلوك معين ومعاقبة المنحرف عن ذلك بهذه القوة، ولكن قد يبقى الجوهر ثابتاً في المجتمع ويبقى الناس في دواخلهم كارهين للوضع الجديد... وبنفس الصورة من حيث النوعية فإن العامل الاقتصادي والقوة المالية قد تؤثر في إرغام الفرد أو المجتمع من منطلق الحاجة إلى الانتقال من وضع إلى وضع آخر إلا أن الجوهر يبقى ثابتاً أما القوة المعرفية فإنها تفوق في الجانب النوعي والتأثير النوعين السابقين من حيث أنها يمكن أن تستخدم للإقناع، والتخويف والإرغام وبالتالي التحويل شكلاً وجوهراً... ولاشك بأن من يملك المعرفة يمكن أن يملك باقي الأنواع بقدر ما لديه من معرفة.

إن الغربيين أدركوا هذه الحقيقة مبكراً في هذا العصر... يقول ونستون تشرشل: "إن إمبراطورية المستقبل هي إمبراطورية العقل".

ولذلك فقد بذلوا جهداً ومالاً واسعاً في امتلاك هذه القوة، سواءً في امتلاك هذه القوة، أو في معرفة المجتمعات الأخرى أو في معرفة مجتمعاتهم أنفسهم... وبالتالي سيطرتهم عليها... يقول إداورد سعيد في معرض تعليقه على خطاب ألقاه آرثر جيمس بلفور على مجلس العموم في عام 1910 مبرراً سيطرة بريطانيا على مصر: " أن يبرر بلفور ضرورة الاحتلال البريطاني لمصر يرتبط التفوق في ذهنه بمعرفة " نا" لمصر، لا بالقوة العسكرية أو الاقتصادية بالدرجة الأولى... والمعرفة في رؤية بلفور تعني المسح الكامل لحضارة ما من أصولها الأولى إلى ذروتها ثم انحطاطها، وتعني طبعاً امتلاك القدرة على القيام بهذا المسح".

هذه الحقيقة هي جانب واحد في مفهوم القوة ومعناه من وجهة النظر الإسلامية. وذلك أن أي صورة من صور القوة تبقى عديمة الفائدة والتأثير والفعالية ما لم تستمد ذلك من مصدر القوة جميعاً، وهو الله - عز وجل -...

يقول - تعالى -: ((ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا)) أي أن جميع أنواع القوة مصدرها الله - عز وجل - وهي لله - تعالى -. فلو تمكن البشر من مصادر القوة في الدنيا بأنواعها فإنها جميعاً بيد الله - تعالى - يصرفها كيف يشاء، فبكلمة واحدة منه - تعالى - وتقدس تغير الموازين وتنقلب حقائق الأمور وتغدو جميع أنواع المعرفة إلى جهل بالواقع والحقيقة...

والذي يدعونا للحديث عن المعرفة كقوة ضاربة في هذا الزمان هو واجب البذل والسبق في امتلاك هذه القوة أو جانب منها انطلاقاً من قوله - تعالى -: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)) والمؤمن القوي أحب إلى الله - تعالى - من المؤمن الضعيف وفي كل خير أو كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -...

لا يشك أحد من المسلمين في وقتنا الحاضر أن الأمة الإسلامية بوضعها وحالها وما لديها من طاقات محدودة وما فيها من تمزق وتفرق... هي في حال ضعف... ومثلها ومثل العالم الغربي مثل القط والفأر... يقول أحد المهتمين بدراسة السلوك الحيواني: "إن الهر يستخدم القوة للقبض على الفأر واعتصاره بين يديه ومخالبه ومن ثم قتله... إلا أنه أحياناً يتركه يهرب لمسافة قصيرة ثم يضربه على مؤخرته ليديره تجاهه... وليلهو به... والحق أن الفأر في أثناء هذه العملية لم يخرج من دائرة نفوذ القط وسيطرته حيث أن القط يملك (معرفة) كافية بحال الفأر آنذاك وإمكاناته وفقدانه التوازن فالتحكم في قواه... ولذلك فإنه (أي القط) يلهو به... يعطيه أملاً بتركه يهرب لمسافة قصيرة وهو يراقبه متحفزاً... ومن ثم في الوقت الملائم يصرعه بضربة قاضية ليستمتع بافتراسه مزهواً بقوته وسطوته".

فلو اتفقنا أن حال الأمة كذلك: أي كالفأر في ضعفه أمام القط، وتيقنا من وجوب العمل على تغيير الحال وإعداد القوة اللازمة والممكنة ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)) فما هو الممكن عمله حينئذ؟ بمعنى آخر: ماذا يمكن أن نفعله كي لا نكون مثل الفأر وفي موقعه؟ هل يمكن أن نغير الحال والموقع لنكون في موقع القط؟ لاشك أن ذلك ليس بعزيز على الله - تعالى -... إلا أن طبيعة ومنهج التفكير الإسلامي يتطلب منا أن نكون أكثر واقعية في الإجابة وبالتالي في وضع برنامج عمل يمكن تنفيذه.

أحد الاحتمالات الواقعية في الإجابة على ماذا يمكن عمله... هو أن نكون ذلك الفأر الذي لا يعرفه القط، بمعنى أن نغير احتمال التحكم شبه المطلق من القط في الوضع... وبالتالي حين يطلق القط سراح الفأر ليلهو به وذلك لحين من الزمن، فإن الفأر يكون لديه القدرة والوعي والتحكم الكافي في فؤاده لينتهز الفرصة ويهرب... وهذا كمرحلة أولى من العمل. أما المرحلة الثانية فهي تنمية قدرة الفأر كي لا يكون فأراً لاهياً فحسب أو لديه القدرة على الهرب... بل مراوغاً ولديه القدرة أن يضع القط في مأزق فضلاً على تفويت الفرصة عليه ليتناول وجبة فأرية... أما المرحلة الثالثة فهي أن يكون الفأر فأراً كبيراً... لديه القدرة على مهاجمة وإرعاب القط... وفي جميع الحالات والمراحل الثلاث الحاجة إلى معرفة القط من حيث إمكاناته: أي جوانب الضعف والقوة فيه تكون ضرورية بالإضافة إلى المعرفة الذاتية لإمكانات وقدرة الفأر...

إن هذا الواجب (المتمثل في تغيير الحال والذي يستلزم بناء معرفة بحال القوة الذاتية لأنفسنا وقوة المترصد) منوط ولاشك - لا في الأنظمة والحكومات التي تسوس المجتمعات المسلمة لأنها أصبحت منذ وقت جزءاً من النظام العالمي في تكوينه - ولكن بتلك التجمعات التنظيمية الدعوية التي تهدف إلى إحداث تغيير في المجتمع وإحياء ما اندرس فيه من دين الله - تعالى -.

وتحسن الإشارة إلى أنه إذا كانت الأمة الإسلامية وضعت تحت المجهر من أعداء الأمة فإن هذه التجمعات الإسلامية التي يطلقون عليها "الأصوليين" وهي الجزء البالغ الخطورة بالنسبة لهم، لاشك أنها مقصودة بالدراسة والمراقبة أكثر من غيرها من العناصر في جسم الأمة... ولقد وصل ببعضهم الخوف من هذه الظاهرة فسماها الغيلان الإسلامية (Islamic Bogeyman) فهل تترك الصحوة الإسلامية (متمثلة في هذه التجمعات الإسلامية الدعوية) الحبل على الغارب فيصبح حال هذه التجمعات في موضع الفأر الضعيف عند قط يتربص به ويحاول معرفته... ليضربه الضربة القاضية في الوقت الملائم بالقدر الملائم.

لاشك أن الإجابة أنه لابد من أن تهتم هذه التجمعات بتغيير الحال من وضع المرصود الضعيف إلى وضع أفضل حالاً... وخصوصاً أنها تسعى للتغيير من حال الأمة وبالتالي فهي في مقام القائد المنقذ للأمة... لا الفأر الضعيف الذي يسعى للهرب والنجاة.

ولاشك بأن العمل على تغيير الحال وبناء المعرفة والانتقال من حال المرصود إلى حال الراصد يعيش مرحلة تنفيذية في بعض إن لم يكن في أغلب هذه التجمعات إلا أن ذلك لا يمنع من الإسهام في إثراء الموضوع وإضافة لبنة إلى ذلك البناء...

تصور نظري لعمل يرصد الواقع.... ويبين المعرفة:

إن مثل هذا العمل حين يقوم يفترض أن يكون انعكاساً لحاجة العمل الإسلامي ككل في المجتمعات المسلمة، والعمل الإسلامي في الواقع يمثل حركات وتنظيمات وتجمعات دعوية مختلفة ومتعددة بالإضافة إلى المجهودات الدعوية الفردية.

هذه الحركات تتفرق في أماكن تواجدها ونشوئها - من الناحية الجغرافية - في أكثر من منطقة ودولة إسلامية بالإضافة إلى الاختلاف في أسلوب الدعوة، ومركز الاهتمام وترتيب الأولويات فيها بين كل حركة وأخرى.

إلا أن هذه الحركات الإسلامية يمكن أن تجتمع نظرياً داخل دائرة واحدة هي دائرة العمل الإسلامي أو الصحوة الإسلامية، وهذه الدائرة في الواقع جسم له صفاته وطبيعته الخاصة به وهو جسم داخل جسم آخر يمكن تمثيله بدائرة أكبر وهذه الدائرة في الواقع تمثل المحيط الإسلامي والذي يتضمن الحكومات والأنظمة السياسية الإقليمية المختلفة إلى جانب الحركات والتنظيمات غير الإسلامية بالإضافة إلى الشعوب التي تنضوي تحت هذا المحيط - أضف إلى ذلك الجاليات والتجمعات الإسلامية في المجتمعات غير المسلمة، وهذه كلها في الحقيقة تمثل حاضر الأمة الإسلامية...

ثم إن هذه الدائرة التي تمثل الأمة الإسلامية وبداخلها الدائرة التي تمثل العمل الإسلامي جسم داخل دائرة أكبر تمثل المحيط العالمي والذي يتضمن الحكومات والأنظمة الإقليمية السياسية والاقتصادية العالمية والتي تمثل المحيط العالمي غير الإسلامي... (انظر الشكل الذي يمثل هذه الدوائر والعلاقات بينها).

ولاشك بأن كل دائرة ترتبط بالدائرتين الأخريين بعلاقة تبادلية من حيث التأثير والتأثر... فالعمل الإسلامي يؤثر في المحيط الإسلامي ويتأثر به بشكل مباشر كما أنه يؤثر في المحيط العالمي ويتأثر به بشكل مباشر وغير مباشر: مباشر بما يحد ث من نشاطات تمس المجتمعات الدولية مباشرة وهذا من ناحية التأثير أما التأثير المباشر فيما يحدث من تغييرات في نفوذ المحيط العالمي على النشاطات التي تقوم بها الحركات الإسلامية في أماكن وجودها... وبشكل غير مباشر حيث تؤثر الحركات الإسلامية في الوضع السياسي للدول التي تتواجد فيها، وبالتالي في سياساتها الخارجية والتي تمثل العلاقة بالمحيط العالمي، وبالعكس فإن المحيط العالمي يؤثر على الدول الإسلامية وبالتالي ينتقل التأثير على العمل الإسلامي...

وهنا يطرح سؤال عن مجالات البحث والدراسة والرصد بمعنى ما هي الأمور التي ينبغي أن تدرس وترصد في هذا التكوين النظري؟ وما هي وحدات التحليل (Unite of analysis) وكيف يمكن قياس هذه الوحدات؟

العمل الإسلامي:

إن المعرفة بالذات ضرورية للعمل الجاد وسيره وتطويره... وبالتالي فإن دراسة العمل الإسلامي يصبح مجالاً رئيسياً من مجالات الرصد والدراسة...

- ما هي التجمعات والتنظيمات الموجودة حالياً في داخل الأمة الإسلامية؟

- ما هي صفاتها ونشاطاتها ونمط التغيير فيها من حيث تطورها أو تلاشيها؟ وما هي الأدوات والوسائل التي تستخدمها في عملية التغيير التي تقوم بها للمجتمع والمحيط الذي يحيط بها؟

- ما هي نقاط الاختلاف والاتفاق بينها وبالتالي نقاط الارتباط والاتحاد من جهة ونقاط الانفصال والتشتت من جهة أخرى؟

ما هي العوامل التي تلعب دوراً في تشكيل ثقافة كل تجمع وتنظيم؟

المحيط الإسلامي:

- ما هي البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة ومجتمع إسلامي؟

- ما هو نمط التغير في هذه المجتمعات وإلى أي اتجاه يسير إليه التغير؟ وما هي العوامل التي تؤثر في هذا النمط واتجاهه؟

- ما هو أثر الإسلام بشكل خاص وموقعه في هذا النمط وفي اتجاهه؟ وما هي جوانب الانحراف عن الإسلام فيه؟.

- ما هو موقع وأثر الحركة الإسلامية في هذه المجتمعات؟ مدى قبول المجتمع لها أو رفضه! مدى الانتشار؟

- ما هي الفرص المتوفرة في هذه المجتمعات لامتداد وإنشاء مختلف الأنشطة الدعوية سواءً من الحركات المحلية أو الحركات الخارجية.

المحيط العالمي:

- ما هي البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدول التي يتوقع أن يكون لها أثر واضح في العمل الإسلامي والمحيط الإسلامي؟

- ما هو نمط التغير في هذه المجتمعات؟

- ما هي فرص العمل الإسلامي فيها؟

- ما هي القوى والعوامل المؤثرة فيها في عملية التغير والتغيير؟

- ما هي صفات النظام الذي يحكمها متفرقة ومجتمعة؟

- ما هو مدى تواجد المسلمين والحركة الإسلامية فيها..

العلاقات التأثيرية المتبادلة بين العناصر الثلاثة:

- ما هي التأثيرات المباشرة وغير المباشرة في المحيط الإسلامي من وجود الحركة الإسلامية؟

- ما هي التأثيرات المباشرة وغير مباشرة في المحيط العالمي من وجود العمل الإسلامي والحركة الإسلامية؟

- ما هي التأثيرات المباشرة وغير المباشرة من المحيط العالمي والمحيط الإسلامي على العمل الإسلامي؟

- ما هي التأثيرات المباشرة وغير المباشرة من المحيط العالمي على المحيط الإسلامي والعكس؟

- ما هي القضايا التي يهتم بها ويركز على رصدها المحيط العالمي والإسلامي في العمل الإسلامي؟

- ما هو مدى الضعف والقوة في هذا الرصد من المحيط العالمي والإسلامي للعمل الإسلامي وخصوصاً في المناطق التي ظهرت فيها أحداث خالفت توقعاتهم مثل إيران وأفغانستان والجزائر... الخ؟


هذه مجموعة من القضايا التي يمكن إثارتها للبحث والدراسة والرصد والتي يمكن أن تكون مفتاحاً وبداية لبناء المعرفة المنشودة... إلا أن هذه الخطوة يمكن إثراؤها ورفع درجة مصداقيتها وارتباطها بالهدف المنشود من بناء المعرفة بإقامة لقاءات وندوات خاصة تجمع أهل الخبرة والمعرفة بالعمل الإسلامي من رجال العمل الإسلامي يكون هدفها تطوير التصور النظري لمشروع بناء المعرفة والرصد... وأيضاً تحديد القضايا التي يمكن أن تكون مجالات الرصد والدراسة إلى جانب رسم الإطار التنفيذي لهذه الدراسات من ناحية منهجية بتحديد وحدات التحليل وأساليب القياس للظواهر التي يقصد دراستها ومراجعتها.

الغاية من بناء المعرفة ورصد الواقع:

يقول - تعالى -: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)) [الأنفال: 60]

وفي ظلال هذه الآية يرسم سيد قطب أهداف بناء قوة... وحيث أن بناء المعرفة كما ذكرنا آنفاً هو بناء قوة فإن الغاية إذاً كما تضمنتها الآية: "إنه لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان... وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة: أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها؛ فلا يصدوا عنها؛ ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها... والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة... والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها... والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها؛ ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده ومن ثم فالحاكمية له وحده - سبحانه -" (الظلال ج 3، ص 1543)

ولاشك بأن سيدا في المعاني التي استقاها من الآية يضمن أنواع القوة الممكنة حسب الزمان والمكان... فرباط الخيل أداة من أدوات القوة في ذلك الزمان، ولكن الطائرة والمدفعية والصاروخ... والقوة الاقتصادية... وأبلغ من ذلك كله تكنولوجيا المعلومات وبناء المعرفة هي أدوات القوة في هذا الزمان...

إلا أنه يؤكد في شرحه للغاية من بناء القوة بإعداد ما أمكن من أدواتها على التوجيه الرباني متمثلاً في إرهاب أعداء الدين والذي يتضمن تأمين تكوين يملك قوة لتحقيق ذلك... وحينما يرهب هذا التكوين أعداء الدين فإنه بالتالي يحمي ويؤمن بيضة الإسلام وديار المسلمين...

إن هذا الإرهاب لأعداء الدين... لاشك وأنه ملاحظ في كثافة الدراسة والرصد الذي يبديه ويقوم به المحيط العالمي لظاهرة العمل الإسلامي.. إلا أنه يبقى هناك سؤال عن المرحلة التي يعيش فيها العمل الإسلامي...

هل هو في المرحلة الأولى في المعركة بين القط والفأر أم أنه في المرحلة الثانية... أم هو في بداية مرحلة من مراحل في المرحلة الثالثة؟ لاشك أن الإجابة عن السؤال تتأكد بشكل جاد ودقيق ببناء معرفة عن واقع العمل الإسلامي...

عودة إلى الغاية من بناء المعرفة... علمنا أن الهدف الأول هو تأمين قوة داعمة وعاملة.. وهنا يمتزج أمران في القضية: أمر يتعلق بالغاية الأساسية من العمل الإسلامي ككل وهو إحداث تغيير في واقع الأمة الإسلامية وإحياء ما اندرس من دين الله - تعالى - فيه.

وبين تنوير العقل العام والخاص بواقع الأمة (المحيط الإسلامي) وواقع أعداء الدين والمحيطين بالأمة الإسلامية (المحيط العالمي) وأخيراً بواقع العمل الإسلامي.

فليتحقق الهدف الأساسي من العمل الإسلامي؛ هناك حاجة واضحة لقاعدة من المعلومات تحتاجها الحركة في وضع خطة طويلة المدى، ولتقديم حلول عملية للنشاطات والمشاكل الآنية والمستمرة يومياً التي تواجهها الحركة الإسلامية في عمله...

ولاشك أن التغيير التي ينشده العمل الإسلامي بحاجة إلى عقول ذات صبغة معينة تمثل تلك الطاقات العاملة التي تحمل أعباء القيام بالعمل الإسلامي وتحقق الهدف منه... فضلاً على أن هذا التغيير بحاجة إلى عقل ذي صبغة معينة يتميز بها الناس في المجتمعات المسلمة، وهنا تبرز أهمية وجود نظام قوي لنشر المعرفة التي تريدها الحركة الإسلامية سواءً للعقل الخاص أو العام، هذا النظام يمكن إطلاق مسمى "الإعلام الإسلامي" عليه... وهو بناء يكمل في الحقيقة بناء المعرفة ليكونا بعد ذلك البناء الكلي لتكنولوجيا المعرفة الإسلامية، وبالتالي قوة المعرفة الإسلامية.

خطة عمل لبناء عمل يرصد الواقع:

أهداف هذا العمل:

1 - بناء معرفة عن الواقع في عناصره التالية:

  أ- المحيط العالمي.

  ب- المحيط الإسلامي.

  ج- العمل الإسلامي.

2 - إيجاد مؤسسة تهيئ الإمكانيات للاستمرار في رصد الواقع.

3 - تدريب وتخريج طاقات يمكن أن تعمل على استمرار هذا العمل وتطويره بما يتلاءم مع التغيرات التي تطرأ في الواقع، والانعكاسات الناتجة من تنفيذ خطة العمل.

البرنامج التنفيذي:

ويتضمن مراحل التنفيذ للأهداف المذكورة أعلاه باستخدام الوسائل الممكنة والملائمة.

المرحلة الأولى: يتم أثناءها تحديد الواقع الراهن لمؤسسات الرصد في داخل العمل الإسلامي ككل، وداخل هذا العمل بشكل خاص (الجماعة)... وتقويم هذا الوضع، مع الاستمرار في النشاطات القائمة مع تحديد حجمها وارتباطها بالمرحلية المفترضة بواسطة هذه الورقة.

كما يمكن في هذه المرحلة تحديد القدرات والطاقات المالية والتكنولوجية والبشرية الراهنة. وفي هذه المرحلة يمكن تطوير التصور النظري وتحدد مجالات الرصد والدراسة بشكل أكثر شمولية ودقة وارتباط وذلك بإقامة ندوات خاصة يدعى إليها أهل الخبرة والاختصاص من المفكرين والعاملين في الحركة الإسلامية...

وفي هذه الندوات تقدم أوراق مبنية على رؤية علمية وتحدد فيها نتيجة الأولويات في البرنامج التنفيذي لعمليات الرصد والدراسة...

بناءً على هذا التحديد يمكن رسم إطار للاحتياجات المستقبلية لعملية تنفيذ هذا المشروع من جانب القدرات والطاقات المالية والتكنولوجية والبشرية.


المرحلة الثانية:
في هذه المرحلة يمكن أن تدرج الخطوات التالية:

- تكوين لجان لتنفيذ الدراسات حسب الأولويات التي حددت في المرحلة الأولى.

- وضع خطة لتطوير إمكانات المؤسسة وخصوصاً فيما يتعلق بالأرشيف وتدعيمه بالمادة المعلوماتية ومصادر المعلومات والتكنولوجيا الملائمة لها... إلى جانب زيادة الإمكانيات البشرية القادرة على تنفيذ عملية الرصد والدراسة للواقع بالبحث والاتصال في محيط العمل الإسلامي عن الشخصيات المناسبة، وتوفير منح وبعثات على حساب المؤسسة لإيجاد الكوادر اللازمة واستغلال المنحة والبعثة الدراسية في عمل بعض الدراسات التي يتضمنها برنامج الرصد والدراسة.

- يفترض في هذه المرحلة أن يكون هناك إنتاج أولي لبعض الدراسات والبحوث والمؤلفات والمقالات المرتبطة التي تخدم الهدف العام للعمل الإسلامي ككل.

- كما إن زيادة المعرفة بالمحيط العالمي والإسلامي والعمل الإسلامي يؤهل المؤسسة لتقديم إطار للجوانب التي يجب أن تهتم بها خطة العمل بالنسبة للعمل الإسلامي بما يخص تنوير العقل العام والخاص.

- بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المرحلة يمكن أن تساهم في توفير المعلومات بما يثري ويضيف أبعاداً جديدة لخطة العمل ككل للحركة الإسلامية.


المرحلة الثالثة:

- الاستمرار في تنفيذ الخطوات التي بدأت في المرحلة الأولى والثانية.

- تقويم الأداء في تنفيذ خطة العمل لبناء عمل لرصد الواقع، وإعادة رسم الخطة بما يتلاءم مع نتيجة التقويم ووضع برنامج تنفيذي للمستقبل مع التنسيق في ذلك مع خطة العمل للحركة الإسلامية ككل...

تنبيهات:

في ختام هذا العرض أود أن أشير إلى أهمية التفريق بين معلومات وبالتالي معرفة تغطي حاجة عمل تنظيمي يقوم على تخطيط طويل المدى وقصيره، ويمارس عملاً متغيراً يواجه مشاكل واحتياجات يومية للتوجيه القائم على الخبرة والمعرفة، وبين معلومات وبالتالي معرفة يكون الغرض منها تنوير العقل العام والخاص، بحيث يتكون في الواقع بناء ووعي ثقافي يحمل صفات معينة يقصدها هذا الدين في الأساس، وتساعد في تحقيق أهداف العمل الإسلامي.

وبالتالي فإنه يمكن بناءً على ذلك التفريق بشكل واضح بين معلومات تكون أرضة لدراسة ينتج عنها إطار وبرنامج عمل أو حل لمشكلة عملية أو تصورية قائمة ويواجهها القائمون بالعمل في ميدان الدعوة والحركة؛ وبين معلومات تصاغ في نشرة أو كتاب أو مقالة يخاطب بها أفراد الحركة الإسلامية بشكل خاص، والناس في المجتمعات المسلمة بشكل عام....

الكاتب: حسن المدني
عدد المشاهدات: 7

التعليقات على بناء المعرفة ومن ثم القوة0

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
63211

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري