أخبار متنوعةالأسرة والطفل › أنا والخجل.. هل من حل؟

صورة الخبر: الخجل
الخجل

الخجل يعود إلى أسباب كثيرة، ولكن أهمها العامل البيئي، أي الظروف التي نشأ فيها الانسان، والتي تحيط به من أسرة ومدرسة، وحتى مجتمع، فإن الطفل الذي ينشأ في بيت فيه أجواء تربوية صارمة ومحاسبة شديدة قد يفقد بعض الثقة بنفسه أو يحس بأن كل الناس يترصدونه ويؤاخذونه، فيشعر بالخجل، وقد يأخذ الطفل الخجل عن والديه، كلاهما، أو أحدهما، فنرى أولاداً خجلين ينشأون في أسرة متسامحة ولكن لأبٍ خجول عانى تربية قاسية في طفولته.

وتأتي بعض الأجواء المدرسية لتزيد الشعور بالخجل والاحباط عند الأطفال، عندما تكون المعاملة قاسية، أو يتعرض الأطفال للاهانة والتحقير أمام الآخرين.
وهناك بيئات اجتماعية تعمق الشعور بالدونية والإحباط وبالتالي الخجل عند الانسان، الذي لديه ضعف في جزء من شخصيته أو بعض النقص في بدنه، فنرى مثلاً في الكثير من مجتمعاتنا الشرقية معاملة المعلول بالنظرات الساخرة وحتى التنكيل، ومعاملة الذي يعاني من نقص في سمعه أو خلل في نطقه بالاستهزاء في الوقت الذي نجد في بعض المجتمعات المتقدمة معاملة إنسانية راقية للمعلولين، وكبار السن، والمرضى، لغرض إشعارهم الاحترام وإزالة شعورهم بالنقص، وتقديم المساعدة لهم بالوسائل الخاصة، وتنظيم المباني والشوارع لتسهيل مرورهم وتهيئة الحمامات الخاصة بهم.
وكل هذه المعاملة السيئة في مجتمعاتنا تتنافى مع قيم الاسلام العظيمة التي تؤكد على احترام الانسان وإعزازه، قال تعالى: (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) الإسراء/ 70.

على أي حال أن تبدأ بنفسك انطلاقاً من هذه الآية الكريمة، وغيرها من آيات القرآن، وكل التعاليم السماوية لسائر الأديان، لتعرف نفسك أولاً، وتعطيها قيمتها الحقيقية ثانياً، ففي الأثر: (مَن عرف نفسه عرف ربّه)، فأنت عبد الله، الذي اختاره الله تعالى خليفة له في أرضه، قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم..) البقرة/ 30-34.

وبذا كرّم الله تعالى الانسان وفضّله ـ بما أعطاه من علم ـ على الملائكة، لأنه أراد منه أن يكون خليفة له، يحمل أسماء الله، ويجسد قيم الخير والجمال التي كمالها عند الله كما جاء في الأثر: (تخلّقوا بأخلاق الله).
فأنت ونحن، من أبناء آدم، خلق الله المميزون بالعقل، والمكرمون بالعلم، والمحظوظون بلطف الله (إن الله لطيف بعباده).

وكل شيء يرجع إلى أصله ونسبه، وكلنا نرجع إلى آدم، وآدم عبد الله المكرّم، كما إنه من تراب، فلا ينبغي أن نشعر بأن غيرنا أفضل منا، إلا بعمله وتقواه، كما قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

أما سائر البشر، مَن غاب عنهم ومَن حضر، فلا نشعر في مقابلهم بالحقارة والذل، لأنهم أكثر منا سلطاناً أو مالاً، أو جاهاً، أو حسباً، أو نسباً، من الأنساب العشائرية أو القومية، وغيرها من التعصبات الجاهلية، لأنه، كما جاء في الحديث الشريف: (يدخل النار ولو كان سيداً قرشياً ويدخل الجنة ولو كان عبداً حبشياً).

فعزتنا بالله تعالى، ذلك (ولله العزة ولرسوله والمؤمنين جميعاً).
وفي الحديث أيضاً: (إن الله يرضى لعبده كل شيء إلا الذل)، (ولا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه).

من هذا المنطلق، ارفع رأسك وتمسك بحبل الله، واعتز بعبوديته، ولا تنظر إلى نفسك نظرة احتقار واستضعاف، كما لا تنظر لغيرك نظرة انبهار وإعجاب تشعر معها بالضعف والذل.

واعلم كلما اقتربت من الله تعالى وابتعدت عن معصيته واكتسبت من العلم وفضائل الأخلاق وزدت من أعمالك الصالحة، كلما كنت أكثر عزة وأعلى رتبة، كما كان موسى الفقير أقوى وأعزّ من فرعون وأعوانه.

والأمر الآخر: خذ ورقة وقلماً واكتب فيها على الجهة اليمنى ما منّ الله عليك من نعم وما أعطاك من مواهب، من أعضاء سالمة، وعقل وفكر، ومنطق ولسان.. الخ، واستذكرها ودونها وستجد أنها لن تنتهي، لأن كل شيء في الوجود قد سخره الله لك، أرض وسماء، وماء وهواء، ونهر وبحر، وبرٍّ وشجر، وسهل وجبل، قال جل شأنه: (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها).

وفي الجهة اليسرى من الصفحات دوّن نقاط ضعفك ومجالات حرمانك، وستجدها محدودة، خصوصاً إذا تذكرت ما فضّلك الله به على غيرك ممن حرموا من بعض النعم، أو ابتلوا ببعض النواقص.

وعلى أي حال، ستجد أن نعم الله عليك لا تنتهي، وما حرمت منه محدود ومعدود، ويمكنك أن تحصل عليه ببعض الجد وبذل الجهد، مستعيناً بالله تعالى وبما وهبك من امكانات وطاقات ومنحك من فهم وعلم.

إذن أعد النظر في نفسك واستعيد الثقة بها، وابدأ بإنصاف نفسك أولاً، فلا تحقرها ولا تستضعفها، وأعطها مكانتها الكريمة، واعمل على رفعتها، من خلال إكمال موارد نقصها، ورفع مواضع ضعفها.

ومعرفة النفس وإكرامها واستعادة الثقة بالنفس أولى الخطوات على طريق رفع الشعور بالضعف والوهن، ومن ثم دفع الخجل واكتساب روح الإقدام على العمل.

ثانياً: ابتعد عن كل مَن تشعر بأنه يهينك ويستضعفك، وابتعد عن كل جو تشعر فيها بالسخرية والاستهزاء والإيذاء.

حتى لو كان ذلك الفرد من أقربائك، فعالجه أولاً بتقليل الاحتكاك به، وزيادة الحشمة والاحترام بينك وبينه، واطلب منه بعد ذلك ن لا يؤذيك بلسانه أو يهينك بعمله، فإن لم تجد في ذلك فائدة، فابتعد عنه وقلل تواجدك معه.. نعم لا تقطع رحمك وصلة والديك، وعاملهم بالحسنى، ولكن إذا واجهوك بالتحقير والإهانة، فسدّ أذنيك وابتعد قليلاً حتى تشعرهم بعدم ارتياحك، (لأن الله لا يرضي لعبده الذل).

وابتعد كذلك عن أجواء المعصية ونوادي السفهاء التي يعمل فيها المنكر، لأن الانسان في تلك الأجواء يذلّ نفسه ويخرجها من عز طاعة ربه إلى ذلِّ اتباع الهوى والشيطان ومرافقة السفلة من الناس، ولذا يجب الابتعاد عن أصدقاء السوء، الذين لا كرامة برفقتهم ولا إخلاص في صداقتهم.

واختر لنفسك الأجواء المريحة التي تأمن بها والمجتمعات النظيفة التي تسكن إليها، وتزيد من احترامك لنفسك واحترام الآخرين لك، كالمساجد وبيوت الله، والنوادي العلمية والثقافية، والمؤسسات الخيرية.. الخ.

وكذلك تردد على أقاربك الذين تشعر باحترامهم وترتاح لهم وزد من علاقتك مع أصدقائك المحترمين ممن يحفظون كرامتهم وكرامة غيرهم.

ثالثاً: أقصر طريق لمعالجة الخجل هو مواجهته، ويختصر ذلك في أمرين:
الأول: أن تهمل نظر الناس إليك فهم في شغل شاغل ولديهم من الهموم والمشاكل ما يجعلهم في غنى عن إحصاء هفواتك أو ملاحقة أنفاسك، فمن اليوم تصرف وكأن الناس في غفلة أو نيام، بل انتقل إلى الخطوة الأخرى، أنت انظر إلى الناس وتابع حركاتهم ووزع نظراتك عليهم وستجد أنهم ليسوا بأقوى منك ولا يشكلون لك إحراجاً.

الثاني: كلما شعرت بخجل من أمر ـ ما لم يكن محرّماً ـ فأقدم عليه، أي سر في الاتجاه المعاكس لما توسوس به نفسك، فإذا كنت تخجل من شخص فأقدم عليه بالسلام وكلمه، وإذا كنت تخشى المرور أمام محل أو شخص فمر عليه يومياً جيئة وذهاباً، وهكذا إذا كنت تخشى المطر فقف تحته حتى تبتل وستجد أن لا شيء مهم سيحدث.

وهذه طريقة حددها الإمام علي (كرم الله وجهه) بقوله: (إذا هبت شيئاً فَقَع فيه).

والدراسات الحديثة تؤيد ذلك، إذن اكتب ما تخجل منه وتخشاه وابدأ بفتح الحصون واحداً بعد آخر، يوماً بعد يوم، وستجد أن لا شيء يقف أمام إرادتك، وأن الآخرين ليسوا جميعاً بأفضل منك، وأن منهم مَن يستحق الخجل ولا يخجل، فلماذا إذن تخجل من أمر عادي والناس في ذلك سواء.. إذن من اليوم دع القلق وابدأ الحياة واقتحم بنفسك المواقع وبادر بالهجوم بدل الدفاع، وقد قيل: الهجوم أفضل وسيلة للدفاع.

المصدر: balagh.com

أضف هذا الخبر إلى موقعك:

إنسخ الكود في الأعلى ثم ألصقه على صفتحك أو مدونتك أو موقعك

التعليقات على أنا والخجل.. هل من حل؟

هذا الخبر لا يحتوي على تعليقات.

كن أول شخص وأضف تعليق على هذا الخبر الآن!

أضف تعليق

أكتب تعليقك
إسمك
البريد الإلكتروني

لن يتم إظهار بريدك الإلكتروني مع التعليق

الرقم السري
86694

من فضلك أكتب الرقم الظاهر أمامك في خانة الرقم السري

دكتورة أماني خدمة RSS دكتورة أماني محمد بلوجر دكتورة أماني محمد تويتر دكتورة أماني محمد يوتيوب

رسائل إخبارية مجانية

الموقع غير مسؤول عن الأخبار والتعليقات والمواضيع والآراء التي ترد من مصادر أخرى. كما أن الموقع لا يقدم مشورة علاجية أو صحية. وجميع المعلومات الواردة في الموقع هي لأغراض تثقيفية بحتة